يبرزون تخوّفهم من تأثير كلام الرسول عليهم ، مع أنه لا أحد يخاف تأثير كلام المجنون عليه ، ولو كان مجنوناً حقاً فلا ينبغي الخوف من تأثير كلامه ، ولو لم يكن مجنوناً فالمفروض أن يكون كلامه صادقاً ، فلما ذا يُرفض كلامه ؟ وكلامهم هذا يكشف عن سخف عقائدهم ويبرز ذلك بوضوح .
أجاب اللَّه تعالى بثلاثة أجوبة على كلامهم الباطل والمتناقض :
الأول : « وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذَابَ مَن أضَلُّ سَبيلًا » « 1 » .
وهذا الجواب يعني الانتظار إلى يوم رؤية العذاب ، فعندئذٍ يتّضح الحق والباطل .
سؤال : لماذا لم يدرك الكفار الحق قبل نزول العذاب ؟
الجواب : الأهواء ضربت على قلوبهم ستاراً لا يسمح دخول الحقائق فيها ، فالأهواء وعبادة الأصنام والمال والجاه والمقام الدنيوي بمثابة الحجب والموانع التي تمنع من إدراك الحقائق ، وهذه الموانع لا تُرفع إلَّا بالعذاب الإلهي .
وهذا هو سبب اعتراف فرعون بحقيقة « أنَّه لا إله إلَّاالّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إسرائيلَ وَأنَا مِنَ المُسْلِمِينَ » « 2 » بعد ان أوشك على الغرق ، رغم أنه كان يقول : « مَا عَلِمْتُ لكم مِنْ إلَهٍ غَيْري » « 3 » ، لكن إيمانه عندئذٍ دون جدوى .
عندما ينزل العذاب الإلهي تُزال حُجب الغرور والغفلة والجهل ، وبعدها يفهم الكفّار من هو الأضل سبيلًا .
سؤال : الآية الكريمة في مقام الإجابة على الكفّار ، وهل يُعدُّ التهديد بالعذاب الإلهي جواباً ؟
الجواب : نعم ، قد يكون التهديد بالعذاب آخر جواب ، ولا يوجد جواب غيره .
السفسطائيون ينكرون كل شيء ويشكون في كل ما يوجد حتى في شكوكهم ذاتها ، وكبار الفلاسفة يقولون : السفسطائيون يرفضون كل دليل يُقام ، وأفضل دليل هو أن تُضرم ناراً وتقرّبهم إليها وتقول لهم : لا وجود لهذه النار والحرارة الصادرة منها ، فهي خيال لا أكثر ، ولا يمكن أن يحترق بها أحد ، لأنّ الاحتراق وهم لا حقيقة ، عندها يتراجعون عنها تدريجياً ليتبدَّل هذا الانسان إلى واقعي بعد ما كان سوفسطائياً .
هامش
( 1 ) الفرقان : 42 .
( 2 ) يونس : 90 .
( 3 ) القصص : 38 .