تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
عظماء تلك الجماعات ، ومع ذلك فقد تحداهم ، على الاتيان بمثل ما جاء به من ربه المرسل من قبله ، دليلا على نبوته وحجة على صحة دعواه ، وحكم عليهم جميعا بالعجز والضعف سلفا بدون امهال . وفعلا قد أقروا واعترفوا بالعجز والقصور والضعف والوهن يكون ذلك أبلغ في الاعجاز وأقوى للحجة والبرهان مما لو كان اتاهم بغير ما يعرفون . مثلا : كان في عصر موسى ( ع ) من الرائج بين أبناء عصره السحر وأنواعه فكانوا يعرفون ما هو جار على نواميس هذه الصناعة . وما هو خارج عنها وعن حدود القدرة ، الا لخاصة البشر من الأوحديين في عصرهم وزمانهم . ولأجل ذلك اقتضت الحكمة ، أن يحتج عليهم بمعجزة العصا ، التي ألقاها موسى ( ع ) أمام أعينهم فصارت ثعبانا تلقف ما يأفكون وما خيلوا به على أعين الناس من أن حبالهم وعصيهم تسعى . وقد رأوا بأعينهم انها تلقفت حبالهم وعصيهم . ولم يبق لذلك وجود ولا أثر ثم رجعت كحالها الأول ، عصا من خشب ، يراها جميع البشر بدون شك أو ارتياب . فحينئذ تحقق لديهم أن هذا الذي جرى ورأوه بأعينهم ليس من صنع البشر ، مهما تفنن البشر في هذه المهنة والصنعة . وهو خارج عن حدود السحر وقدرة السحرة . ولذا فورا خر السحرة لرب هارون وموسى ، وآمنوا به بدون تردد أو اهمال كما ذكر في قوله عزّ وجل :
( قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى . قالَ : بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى . قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا . إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى . فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى . قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى .
تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 74 | محمد حسن القبيسي العاملي