تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
ويكفي أن تستقر هذه الحقيقة وحدها في أي قلب . لتقف به أمام الدنيا كلها عزيزا كريما ثابتا . في وقفته . غير مزعزع . عارفا طريقه إلى العزة المستمدة من قوي لا يغلب وعظيم لا يقهر عز شأنه . فيصبح صاحب العزة الثابتة . لا يحني رأسه لمخلوق مهما كان شكله . ولا تعرض عليه العواصف ولا يداخله فزع ولا رهبة من كل قوى المخلوقين . لأنه يؤمن ( بأن العزة لله ) دون سواه .
( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ . . )
ولهذا التعقيب المباشر بعد ذكر الحقيقة الضخمة . مغزاه الروحي فهو إشارة إلى أسباب العزة ووسائلها لمن يطلبها من مصدرها . فان القول الطيب والعمل الصالح هو وحده الذي يمحصه من الخبيث والرياء . وهو الذي يستلمه من القائل والعامل دون سواه . والعزة الصحيحة حقيقة تستقر في القلب قبل أن يكون لها مظهر في دنيا الناس . حقيقة تستقر في القلب لتضيئه وتوسعه . فيستعلي بها على شهواته المذلة . ورغائبه القاهرة ومخاوفه فلا ينحني لغير خالقه العظيم وسيده الغني الكريم . ومتى استعلى المؤمن المتيقن على هذه الأشياء . فلن يبقى في الوجود أسباب لديه تذله أو تخضعه . فإنما تذل الناس شهواتهم وأهواؤهم ومطامعهم ومن استعلى عليها وأصبحت منقادة له . فقد استعلى على كل وضع وعلى كل شيء يسبب الذل والخضوع وهذه هي العزة الحقيقية . ذات القوة والاستعلاء بالمعنى الصحيح . التي لا تتغير كمصدرها الثابت . ان العزة ليست عنادا جامحا يستكبر على الحق ويتشامخ بالباطل . وليست طغيانا فاجرا سلاحه الارهاب والضرب والعتو والتجبر . وليست اندفاعا باغيا يخضع للنزوة ويذل للشهوة . وليست قوة عمياء . تبطش بلا حق ولا عدل ولا صلاح . كلا . انما هي العزة المستعلية على الأهواء والشهوات . وعلى الظلم والطغيان . وعلى الاحتياج لغير الخالق العظيم