تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 559

مساهمون:

ص٥٥٩
انهم ليرون كل ذلك بأعينهم . يرونه في النبتة النامية . وفي بيضة الدجاجة . وفي تركيب كل مولود . ووفي كل ما لم يكن ثم كان . مما لا تملك قدرة البشر بأجمعهم مجتمعين عليه . ولذا يقول اللّه عزّ وجل
( يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ )
سورة الحج آية 72 ) . فان كانوا يرون انشاء الخلق بأعينهم . فالذي أنشأه أول مرة هو أهون عليه ارجاعه ثاني مرة
( إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ )
ومن المسامحة في اللفظ ان يقال عن اللّه تعالى هذا يسير عليه . ولكن انما يقرب بذلك إلى أفهام البشر المحدودين في كل شؤونهم . فالبدء أسهل من الإعادة بحسب فهم البشر وانما امره إذا قال للشيء كن فيكون .
( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ )
ان التعبير هنا بلفظ الماضي
( كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ )
لينظروا كيف بدء الخلق يثير في النفس خاطرا معينا . ترى هنالك في الأرض ما يدل . والسير في الأرض يفتح العين . والقلب على المشاهد الجديدة . التي تألفها العين ولم يملها القلب . وهي لفتة عميقة إلى حقيقة دقيقة . وان الانسان ليعيش في المكان الذي ألفه . فلا يكاد ينتبه إلى شيء من مشاهده أو عجائبه حتى إذا سافر وتنقل وساح استيقظ حسه وقلبه إلى كل مشهد يراه . وإلى كل مظهر يمر عليه في الأرض جديد . مما كان يمر على مثله أو أروع منه في موطنه . دون الالتفات ولا انتباه . وربما عاد إلى موطنه بحس جديد . وروح جديدة . ليبحث ويتأمل ويعجب بما لم يهتم به قبل سفره وغيبته . فسبحان منزل هذا القرآن الخبير بمداخل القلوب .
( إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )
يبدأ الحياة ويعيدها بهذه القدرة المطلقة التي لا تتقيد بتصورات البشر القاصرة . وما يحسبونه قوانين يقيسون عليها الممكن وغير الممكن بما يعرفونه من المحدود فليس كما يتوهمون .