تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
البيان : انه مشهد من المشاهد العجيبة الجديدة كل الجدة على ذخيرة هذه اللغة من التصورات والتصويرات . . انسان يؤتيه اللّه آياته ، ويخلع عليه من فضله ، ويكسوه من علمه ، ويعطيه الفرصة كاملة للهدى والاتصال والارتفاع . ولكن ها هو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخا ويتجرد من الغطاء الواقي ، والدرع الحامي ، وينحرف عن الهدى ليتبع الهوى ، ويهبط من الأفق المشرق فيلتصق بالطين المعتم القذر ، فيصبح غرضا للشيطان لا يقيه منه واق ، ولا يحميه منه حام ، فيتبعه ويلزمه ويستحوذ عليه ، ثم إذا نحن أولاء امام مشهد مفزع بائس نكد ، وإذا نحن بهذا المخلوق لاصقا بالأرض ، ملوثا بالطين ، ثم إذا هو مسخ في هيئة الكلب يلهث ان طورد ويلهث ان لم يطارد . كل هذه المشاهد المتحركة تتابع وتتوالى ، فإذا انتهى إلى المشهد الأخير منها إلى مشهد اللهث الذي لا ينقطع :
( ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا . . )
وهل أسوأ من هذا المثل مثلا ، وهل أسوأ من هذا الانسلاخ والتعري من الهدى ، ولا أسوأ من اللصوق بالأرض واتباع الهوى ، وهل يظلم انسان نفسه كما يظلمها من يصنع بها هكذا . . وهل يبلغ قول قائل في وصف هذه الحالة وتصويرها على هذا النحو العجيب الفريد الا هذا القرآن العجيب الفريد . وهل هو نبأ يروى أم مثل يضرب ، كلا انما هو نص من خالق الكائنات . وهذا الرجل الذي وصفه خالقه بالكلب اللاهث ابدا ، هو ( بلعم بن باعوراء ) وروى أنه كان من أهل فلسطين الجبابرة ، وانه كان على
تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 38 | محمد حسن القبيسي العاملي