البيان : لقد كان في قصة يوسف وأخوته آيات وامارات على حقائق كثيرة لمن ينقب عنها وهذا الافتتاح كفيل بتحريك الانتباه والاهتمام . فهم يتحدثون عن ايثار يعقوب ليوسف وأخيه عليهم :
( إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا )
: فهو يؤثر غلاما وصبيا صغيرين على مجموعة من الرجال الكبار . ثم يغلي الحقد ويدخل الشيطان ، فيختل تقديرهم للوقائع ، وتهون الفعلة الشنعاء وصحة تقديرها للاحداث ، وهكذا لما غلا في صدورهم الحقد برز الشيطان ليقول لهم :
اقتلوا ، والتوبة بعد ذلك تمحو ما فات . وانما هي تبرير لارتكاب الجرائم يزينه الشيطان اللعين . كما تزين الكنيسة صكوك الغفار للمجرمين ولكن ضميرا واحدا فيهم يرتعش لهول ما صمموا عليه : ( فقال :
لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ )
كأنه يشككهم في أنهم مصرون على ايقاع الأذى بيوسف وهو أسلوب من أساليب التثبيط عن الفعل .
واضح فيه عدم الارتياح للتنفيذ . ولكن هذا كان أقل ما يشفي حقدهم ، ولم يكونوا على استعداد للتراجع فيما اعتزموه .
[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 11 إلى 18 ]
قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ ( 11 ) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 12 ) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ( 13 ) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ ( 14 ) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 15 )
وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ ( 16 ) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ( 17 ) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 18 )