لقد كشف القرآن المجيد عن علة كفر بني إسرائيل بتلك الآيات ، وهي تفرض نفسها فرضا على القلب المستقيم ، ولكن الفسق وانحراف الفطرة لا يسعها الايمان بالحق .
ثم يلتفت إلى المسلمين - وإلى الناس عامة - منددا بهؤلاء اليهود كاشفا عن سمة من سماتهم الوبيئة ، وهو تعصبهم على الضلال والباطل ويكرهون أن يمنح الله شيئا لسواهم . وقد أخلفوا ميثاقهم مع الله تحت الجبل ، ونبذوا عهودهم مع أنبيائهم من بعد وأخيرا نبذ فريق منهم عهدهم الذي ابرموه مع النبي محمد ص أول مقدمه إلى المدينة .
بينما كانوا هم أول من أعان عليه أعداءه وأول من عاب دينه وحاول بث الفرقة والفتنة في الصف المسلم :
( وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ )
نبذ فريق منهم ذلك .
ولقد كان ضمن الميثاق الذي أخذه الله عليهم ان يؤمنوا بكل رسول يبعثه وان ينصروه فلما جاءهم ذلك نبذوه ونقضوا عهدهم مع الله تعالى . وفي الآية ما فيها من سخرية خفية يحمل ذلك النص ويدع الخيال يتملى هذه الحركة العنيفة حركة نبذ كتاب الله وراء ظهورهم ، ولا عجب من نكث العهد ونبذ الكتاب لكن العجب والأعجب نكث أهل السفيفة عهد الله ورسوله ونبذهم للقرآن المجيد وسنة الرسول وراء ظهورهم علنا وجهارا في أوقح صورة مخزية .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 102 إلى 103 ]
وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 102 ) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 103 )