تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
والعقل والرشاد . فمن أين أتت هذه الظواهر كلها لهذا الانسان الموجود . انه لا جدوى من الهروب ومن مواجهة هذا السؤال الذي يفرضه لسان الحال ويلح على العقل والضمير . ولا سبيل لتعليل مجيء ذلك وحصوله الا بفرض قدرة خالقة ذات طبيعة أخرى غير طبيعة الموجودات بأسرها ، لأنها كلها مفتقرة إلى الموجد كالانسان تماما . فمن أين جاءت هذه الحياة التي تسلك في الأرض سلوكا آخر متميزا على كل من في الوجود من أحياء وأموات ، وحيوان وجماد . فلا محيص للجواب الصحيح المعقول الذي يرضى به العقل ويقنع به الوجدان . الا التسليم والاعتراف بان ذلك جاء من عند الله الخالق لجميع المخلوقات والموجودات وهذا هو الجواب الصحيح المعقول ، وهذه الحقيقة التي تواجه بها سياق الاستغراب وتوجه الاستفهام في قوله عزّ وجل :
( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ )
الخ كنتم أمواتا في العدم الأول وكنتم أمواتا من هذه الموات الشائعة من حولكم في الأرض فأنشأ فيكم الحياة فأحياكم ( فكيف يكفر بالله من تلقى الوجود والحياة منه دون سواه
( ثُمَّ يُمِيتُكُمْ )
ولعل هذه لا تقبل المراء والجدال ، فهي الحقيقة التي تواجه الاحياء في كل لحظة وتفرض نفسها عليهم قهرا وجبرا . ومن المستحيل انكارها أو الشك في وقوعها وحقيقتها ( ثم يحييكم ) وهذه يمكن التشكيك فيها من كثير من المطموس على قلوبهم وبصائرهم .
( ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )
وقد أبدوا استغرابهم من هذه الظاهرة باستنكارات عديدة . فتارة قالوا
( مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ )
هذا هو الاستغراب الهائل منهم ولكن انظر الجواب ما أبسطه وأسهله الذي يستحيل انكاره من أدنى رشيد فاهم
( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ )