البيان : ان شطر الآية الأولى في هذه المجموعة يضع على كاهل الجماعة المسلمة في الأرض واجبا ثقيلا بقدر ما يكرم هذه الجماعة ويرفع مقامها ، ويفردها بمكان خاص ، لا تبلغ اليه جماعة أخرى .
( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ )
، ان التعبير بكلمة
( أُخْرِجَتْ )
المبني لغير الفاعل ، تعبير يلفت النظر ، وهو يكاد يشي باليد المدبرة اللطيفة ، تخرج هذه الأمة اخراجا وتدفعها إلى الظهور دفعا . لتكون طليعة ، ولتكون لها القيادة ، بما انها هي خير أمة ، والله يريد أن تكون القيادة للخير ، وفي أول مقتضيات هذا المكان ، ان تقوم على صيانة الحياة من الشر والفساد ، وأن تكون لها القوة التي تمكنها من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فهي خير أمة أخرجت للناس .
واقامتها على المعروف هو النهوض بتكاليف الأمة الخيرة ، بكل ما وراء هذه التكاليف من متاعب ، ولتحقيق الصورة التي يحب الله أن تكون عليها الحياة .
فلا بد من الايمان بالله ليوضع الميزان الصحيح للقيم ، والتعريف الصحيح للمعروف والمنكر ، وهذا يستند إلى قاعدة أخرى غير اصطلاح الناس في جيل من الأجيال .
وهذا ما يحققه الايمان بإقامة تصور صحيح للوجود وعلاقته بخالقه ، وللانسان وغاية وجوده ومركزه الحقيقي في هذا الكون ، ومن هذا التصور العام تنبثق القواعد الأخلاقية ، وفي القرآن المجيد مواضع كثيرة تقرر هذه الحقيقة ، تأتي إن شاء الله في مواضعها .