تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
مستغربا ، عدل عن مخاطبة الرسول إلى مخاطبتهم أنفسهم لعلّهم يتنبّهوا ويستيقظوا عن نومة الغفلة ، فقال :
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ
، فأنتم ترون أنّكم لستم موجودين من تلقاء أنفسكم ، بل موجودون من الغير مخلوقون له ، وليس مجرد الإيجاد كيفما دام ، بل وجودكم وجود مؤجّل مقدّر ، فهذا الوجود المؤجل المقدّر المحدود هذا ، لمفاض من عنده ، فكما أنّ أصل وجودكم مقصود بالإفاضة فكذا أجله وقدره وحدّه ، وليس الأجل الحقيقي المعيّن عندكم فهو عند غيركم ، فوجودكم من عنده أوله وآخره وجميع جهاته . ثم إنّكم مع ذلك تمترون في توحيده ، وليس كلّ هذا الإيجاد والتدبير منه سبحانه أمرا اضطراريّا من غير علم وتدبير ، حتى يكون إيمانكم وكفركم به على السواء ، بل هو اللّه في السماوات وفي الأرض ، وفي تكرار « في » تفصيل الكلام
يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ
، لأنّه اللّه - عزّ اسمه - . ولمّا بلغ الكلام هذا المبلغ واستشعر إعراضهم ، أعرض عنهم وعدل ثانيا عن خطابهم إلى خطاب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وآله - وعن غيبة نفسه - وهو على كلّ شيء شهيد - إلى التكلّم بالغير ، فقال :
وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ
« 1 » . ثمّ ذكر أنّ ذلك لتكذيب منهم سابق ، وأنّه سيأتيهم أنباء ذلك . فقال :
فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ
، فهو وبال ما هو معهم من قبل
فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
« 2 » وهي ما سيشاهدونه من وبال كفرهم . فهذا ما افتتحت به السورة ، ولا يزال يحوم إلى آخر السورة حول هذا البيان
هامش
( 1 ) . الآية ( 4 ) من السورة . ( 2 ) . الآية ( 5 ) من السورة .