تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
ثم جاء المثل عقب ذلك ليسوق ما يحمله من حقيقة تلك القرية وقاطنيها ، المنعمين بخيراتها ، الرافلين في حلل الأمن والطمأنينة النفسية والمادية ، ثم تتبدل بهم الأحوال بفعل أنفسهم ، وتغير أخلاقهم ، فيكفرون بنعم اللّه ، فيذيقهم اللّه لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون . والمثل يضرب لكل قوم أنعم اللّه عليهم فأبطرتهم النعمة ، وكفروا وتولوا ، فأنزل اللّه نقمته بهم ، وهؤلاء القوم قد يراد بهم أهل مكة التي كانت آمنة مطمئنة ، مستقرة ، يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ، ويتخطف الناس من حولها ، وهي آمنة ، ثم كفرت بأنعم اللّه عليها ، وجحدت فضله ، فلم تشكر اللّه على ما أعطاها من نعم ، وخصها به من منح ، وليست هناك منحة أعظم ، ولا نعمة أوفى من بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولكنها استقبلتها بالجحود والنكران ، فكانت نقمة اللّه عليها شديدة ، إذ بدل حالها ، فألبسها اللّه لباس الجوع والخوف بعصيان أهلها لأمر اللّه وكفرانهم ، فدعا عليهم رسول اللّه بسنين كسنى يوسف ، عليه السلام ، فأصابتهم سنة أذهبت كل شئ ، وسيطر عليهم الخوف بما حققه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من انتصارات في غزواته المختلفة ، حتى تم فتح مكة ، وذلك بسبب تكذيبهم لرسول اللّه الذي بعثه اللّه من بين أظهرهم داعيا ، ومبشرا ، ونذيرا ، وعاد عاقبة الظلم على أهله . وإذا كانت هذه صورة قائمة لذلك المجتمع المكي الذي ساند بعضه بعضا على الباطل ، ووقف ضد نور اللّه يحاول أن يطفئه ، فكانت يد اللّه الغالبة ، وجاء الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا ، وتكسرت الأصنام ، وحطمت تلك المعبودات يوم فتح مكة ، كما تحطمت معها أنصارها وأعوانها من مفسدين وظالمين بما كانوا يصنعون . فهي أيضا صورة لكل من سار على درب الضلال في كل حين ، ضلال الفكر والاعتقاد ، وضلال العمل ، والفسوق ، والعصيان ، والمصير هو المصير ، فالقانون الإلهى يجرى على الناس جميعا لا يتخلف ، فما دام هناك كفر وعصيان وابتعاد عن الحق وأهله ، كانت هناك نقمات من اللّه من جوع يؤدى إلى نقص في الأموال ، والأنفس ، والثمرات ، والإمكانات المادية ، وخوف يسيطر على الأفئدة ، فتحرم نعمة الأمن والأمان في الحياة ، وتتبدد القوى المادية والمعنوية التي هي عماد الحياة الحقيقية ، وذلك كله جزاء تلك الأعمال السيئة التي اقترفتها الأيدي ، والنوايا الخبيثة التي أضمرتها القلوب .
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 259 | الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي