تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
مشعلا على طريق الحياة ، وتبصرة بالمواقف الجادة التي تنتصر على كل فكرة سابقة لا تحمل ضوءها ونورها من اللّه جل في علاه ، ويكفى أن اللّه شهيد على ذلك :
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
[ الفتح : 28 ] . هذه مكرمة خص اللّه بها رسوله ، والذي تتضح صورته ، وصورة صحبه ومن آزره ونصره في دعوته ، وإعلاء كلمة اللّه في المثل الذي نعرضه في الآية . فاللّه يضرب المثل بأولئك الذين خلصت نياتهم ، وأخلصوا أعمالهم لوجه اللّه ، وفي سبيل دعوته بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وصحابته الذين آزروه ، ونصروه ، واتبعوا النور الذي أنزل معه ، فكانوا من المفلحين الذين يتراحمون فيما بينهم ، ويتآخون برباط الإسلام ، ويكثرون من العبادة والطاعة للّه ، ولا يقصدون من أدائها إلا ابتغاء وجه اللّه ورضوانه ، قد صفت وخلصت من الغرض ، وهم يهبون أنفسهم للدفاع عن الدين والعقيدة ، والاستشهاد في سبيل اللّه ، وهم أشداء على الكفار أعداء اللّه . ظهرت آثار أعمالهم الصالحة على صفحات وجوههم ، وهكذا المؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع اللّه ، أصلح اللّه ظاهره للناس . قلة قليلة بدأت بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، ثم قويت واستحكمت ، وترقى أمرها يوما بعد يوم ، فكانت كما قال صاحب الكشاف : كما يقوى الطاقة الأولى ما يحتف بها مما يتولد منها . وظاهر المثل : أن الزرع هو محمد صلى اللّه عليه وسلم ، والشطء : أصحابه . قيادة حكيمة اختارها اللّه من بين خلقه لتؤدى أمانة الوحي بالقدوة الطيبة والموعظة الحسنة ، وتحمل الرسول الكريم الكثير من ألوان الإيذاء ، والعنت في سبيل تبليغ دعوة الحق ، ومحاربة الباطل ، وكان حريصا على هداية القوم ، يتعرض لهم في كل مكان ، ويسلك لذلك كل طريق ، حتى نزل قول اللّه سبحانه وتعالى :
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ
[ المائدة : 99 ] . القائد والجند تجمعهما رابطة العقيدة ، وبينهما مدد مشترك يبعث فيهما القوة والنماء والروح ، مدد روحي من القرآن الكريم ، ومن نور اللّه يستمد الضوء ، فيكون الزرع الذي استغلظ واستوى على سوقه ، ويكون الشطء الذي آزره ، وكان عونا له في سير الحياة . مثل للمؤازرة الحميمة ، والمساندة التي لا يمكن أن تنفصم إلا بفعل اللّه سبحانه
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 257 | الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي