تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
وتعالى . هذه الصورة ذكرت في الكتب السماوية القديمة ، التوراة ، والإنجيل ، وأبرزت صفات محمد وصحبه في جهاد الدعوة بتلك الصورة المشرقة التي تدعو إلى الاقتداء بجليل الأعمال ، والإخلاص في الدعوة وتحمل تبعاتها ، استجابة لأمر اللّه وإتماما لنوره ، حتى يصل إلى كل قلب واع ، وروح متفتح إلى الإيمان باللّه ، والتنزه عن دنس الشرك ، ووسوسة الشيطان ، واتباع الهوى . ومن الملاحظ أن تلك الصفات التي وصف بها محمد وصحبه إنما تناولت تلك القيم النفسية ، من قوة في الحق ، وتراحم بين الناس ، ومؤاخاة ، وإخلاص طاعة ، وكلها صفات وقيم تغطي على تلك القيم التي تواضع الناس عليها في وقتنا الحاضر من تفاخر بالمال وكثرته ، وطغيان بالمركز والجاه ، وتعالى على الآخرين باللون والحسب والنسب ، قيم باطلة زائفة لا تصمد على الأيام ، وهي ما تلبث أن تذروها الرياح ولا يبقى منها شئ . ولكن هل استطاعت هذه الصورة أن تصل إلى تلك القلوب الغلف فتهديها إلى سواء السبيل ؟ هل وجدت الأرض ممهدة ؟ هل أرست دعوتها في بناء هذه الأمة دون مكابدة وعناء ؟ . 4 - قال اللّه تعالى :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ
[ النحل : 112 ] . سبق هذا المثل بآية قرآنية تلفت النظر إلى ذلك اليوم الذي يجب أن يعمل حسابه كلّ مخلوق ، وأن يزن أعماله قبل أن توزن عليه ، ويحاسب نفسه قبل أن يحاسب فيه ، وهو يوم القيامة الذي تقف فيه الأنفس والخلائق خاشعة بين يدي ربها ذليلة ، تحاول أن تبرئ ساحتها مما لحق بها من سيئات ، وأن تنفض عنها غبار الذنوب والآثام ، وتحاول أن تظهر حسن نياتها بما عملت في دنياها ، واللّه عليم بكل نفس ،
وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
[ الكهف : 49 ] ، فهو يعطى لكل ذي حق حقه :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
[ الزلزلة : 7 ، 8 ] . هذا هو اليوم ، وهو موقف تتعرى فيه النفس الإنسانية ، وتظهر على حقيقتها ، قال اللّه تعالى :
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
[ النحل : 111 ] .
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 258 | الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي