تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
وإذا كانت لقمة العيش والعمل من أجل الحياة والتغلب على أزماتها وصعابها ، وظروفها الاقتصادية ، قد أدت إلى لون من التقارب بين أمم وشعوب قد اختلفت في مذاهبها ، وتباينت في لغاتها وأنظمتها السياسية والاجتماعية ، كما يحدث الآن في أوروبا ، أفلا نملك نحن أمة القرآن أن نجعل هذا القرآن طريق اتصال لغوى وفكرى وعقدي بين هذه الشعوب التي حباها اللّه بالإسلام دينا ، وبالقرآن دستورا ؟ إن الاتصال اللغوي هو الطريق إلى الاتصال الفكري ، وإذا توحّدت اللغة ، وتقاربت الأفكار ، كان ذلك أدعى إلى تحقيق وحدة قوية بين الأفراد والمجتمعات والأمم ، وإننا نستطيع أن ندرك بعد أن اتضحت النوايا ، وتكشفت أساليب الحياة التي تمارسها القوى الكبرى ، وتخضع لها الدول الصغرى في تعاملاتها السياسية والاقتصادية ، أن شرّ ما يبتلى به مجتمع مسلم أن يخرج إنسان إلى مجالات الحياة ، وأن يتخرّج من مراحل التعليم ولا يستطيع أن يقرأ سورة من السور القصار ، ولا أقول : يحفظها أو يفهمها . إن تلك الدعوى القائمة على الاهتمام بالعقل ونموه وإدراكه ، وإهمال جانب الحفظ ، إنما هي دعوى هزيلة مريضة تضيع شخصية الأمة ، وتقوّض لغتها التي اختصت بها ، ولم يدفع إلى تلك الفكرة إلا ما يختبىء وراءها من رواسب التأثير الفكري المتشبع بالتيارات الغريبة والأجنبية التي حكمت عقولنا وأفهامنا ردحا طويلا من الزمن . ومن عجب أن نجد لهذه الدعاوى أنصارا ومؤيدين بين صفوفنا ، علما بأن دعاتها لا يذهبون في كتاباتهم وأساليبهم مذاهب التحرر من اللغة واستخدام كلماتها ، والتحرر من قواعدها ، والميل إلى التبسط في الألفاظ ، والتساهل في الضوابط التي تحكم شعرهم ونثرهم . نراهم مع تلك الدعاوى التي يطلقونها ، شديدي المحافظة على الأطر التي تعلموها في مراحل التعليم ، ولهم من أساليبهم المميزة التي تثير عند قارئها هزة وعجبا ، مما يدل على اعتنائهم في صغرهم بحفظ القرآن الكريم ، واهتمام بطريقته في صياغة الأساليب المتباينة من خبر إلى إنشاء ، وإيجاز ، وإطناب ، وتقديم وتأخير . . . إلخ ، بل ونرى بعضهم يصل بأسلوبه الذي خص به إلى درجة تتشابه مع أولئك الأدباء في العصر الأموي والعباسي . فهذا الارتباط الفكري والعقلي مما يدل على شدة الإعجاب الذي سيطر على ذلك