تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
في الحياة الأخروية التي تفرز الطيب والخبيث ، وتحقق عدل اللّه لمن حرم هذا العدل في دنياه ، واستدامة حياة أخرى تليق بخليفة اللّه ، الإنسان ، عن بقية المخلوقات التي خلقت من أجله ، وعاشت في دنياه من كل ما خلق اللّه . وهذا الأمر من تحقيق حكمة الوجود الإنسانى ، والداخل في علم اللّه الذي ينفرد به وحده ، ويغيب عن مدركات مخلوقاته الأخرى ، الملائكة التي أمرت بالسجود تنفيذا لأمر اللّه ، سيكمل ويتحقق ما دام خاضعا للمنهج الإيمانى الذي حدده اللّه في قوله
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] ، فالعبادة التي يرتضيها اللّه لعباده الذين خلقهم هي العبادة التي تنتج عن تفكير ، وإرادة ، وحرية ، واختيار ، وعلم ، وبصر ، والتي توجب الامتياز والتفضيل عن بقية المخلوقات التي لا تملك هذه الوسائل ، ولا تستطيع الحصول عليها بحكم تكوينها وإمكاناتها ، وإن كان ما خلق اللّه جميعه من أرض ، وسماء ، ونبات ، وحيوان ، وطير ، تشترك جميعها في عبادة الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، تعبد اللّه وتؤدى دورها في الحياة أداء طاعة وتسخير لما خلقت من أجله ، وبما يتناسب مع خصائصها وذواتها ،
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
[ الإسراء : 44 ] . 5 - ومن مظاهر التيسير التي كتبها اللّه لقرآنه ، أنه قد حفظ بالكتابة والطباعة على مدى العصور ، فقد سخر اللّه الإنسان حتى من لم يؤمن به ، لكي يشترك في أمر المحافظة عليه ، وذلك أنه أخذ صفة العالمية في وقتنا الحاضر ، فالفن بكل إبداعاته يتجه إلى إخراجه في أبهى صورة له في أنحاء العالم ، مؤمنه وكافره ، وتتسابق إلى ذلك دور الطباعة والنشر في سبيل إخراجه وإبرازه على الوجه الأكمل الذي يحفظه من التصحيف والضياع . 6 - ومن فضل اللّه علينا وعلى الناس ، أن سهل حفظه على الناشئة في صغرهم ، ويسر نطقه وقراءته على تلك البراعم الصغيرة التي ترغب في تعليمه وحفظه ، فهم عن طريق التلقين يستمعون ويكررون القول ، وينطقون الآيات والحروف تبعا لما يسمعون ، ويعلق هذا بأذهانهم حتى على غير الناطقين باللغة العربية . والإنسان يأخذه العجب ، وتتملكه الدهشة ، حينما يسمع إلى قارئ القرآن ينطق الآيات نطقا سليما يدل على حبّ شديد لما يقرأ ، حبّ يملك عليه نفسه وقلبه ، فإذا
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 161 | الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي