تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦

الأسلوب القرآني وتأثيره :

أتى القرآن الكريم بأسلوب معجز ، متميز عن بقية الأساليب المألوفة في وقته ؛ لأنه من اللّه ، فبهر الناس حينما سمعته ، وأسر منهم القلوب ، وسيطر على نفوسهم ، فاستجابت الأفئدة إليه ، ولم تنأ عنه إلا تلك القلوب المريضة التي قست كالحجارة ، فلم تستجب لدعوته ، ورصدت نفسها لمحاربته والوقوف أمام دعوته في الهداية للحق ؛ حفاظا على ما لهم من سلطة ، ودفاعا عن تقاليدهم العفنة ، وعباداتهم الباطلة ، حاربوا القرآن بمحاربة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأخذوا يكيلون إليه التهم الباطلة ، ويلفقون الأكاذيب ، ويمنعون الناس من الاستماع إليه ، ويعذبون من يتلو القرآن من صحابة رسول اللّه في المسجد الحرام ، سلكوا هذه المسالك ؛ لأنهم عجزوا عن محاكاة القرآن ، أو الإتيان بمثل أقصر سورة فيه ، وتهاوت أسلحتهم العديدة أمام هذا الكلام المعجز بلفظه وعباراته ، وسبكه وصياغته ، وأخباره ونواهيه . . . إلخ ، كل هذه الألوان المؤلفة من جنس ما يقولون ويؤلفون ، ولكنهم عاجزون أن يأتوا بمثله ، وهو الذي سمعته الجن ، فقالوا :
إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً
[ الجن : 1 ، 2 ] . وسمعه نفر من النصارى ، فخشعت له قلوبهم وقالوا ، كما عبر القرآن الكريم :
ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
[ المائدة : 82 ، 83 ] . وسمعه زعيم من زعماء قريش ، فقال : إنه يعلو ولا يعلى عليه . نطق بالشهادة الحق في قرآن اللّه الذي كان له وقعة في القلوب والنفوس ، فكان يقتلع منها عقيدة الشرك وهجمة الباطل . وما لنا نذكر ذلك الموقف الذي كان له تأثيره في مجرى الأحداث في بدء الإسلام ، فأمد الإسلام بجبار الجاهلية عمر بن الخطاب ، رضى اللّه عنه وأرضاه ، لقد دخل على أخته حينما سمع بإسلامها يريد أن يبطش بها ، وتناولت عيناه صحيفة القرآن ، فقرأ :
طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى
[ طه : 1 - 6 ] ، فأخذته رجة عنيفة أصابت مكمن الحقيقة من نفسه ، وقلبه ، وعقله ، فقال : دلوني على محمد .
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 156 | الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي