تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
السلام قول اللّه تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
[ النحل : 90 ] ، فما كان منه إلا أن رجع إلى قومه ، وقال : واللّه لقد سمعت كلاما ما هو بكلام الإنس ، ولا بكلام الجن ، إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسلفه لمغدق ، وإنه يعلو ولا يعلى . كلام زعيم من زعماء الرأي والمشورة والبيان ، ويعرف محمدا في نشأته وفي صباه ، ويعرفه في مراحل حياته معرفة سماع أو مخالطة في بيئة ضيقة يتصل فيها المجتمع بعضه مع بعض ، وتتقسم فيه العائلات والأسر وظائف الحياة التي يحتاج إليها المجتمع ، في ذلك المكان الذي هيأه اللّه لعبادته ، وأرسى فيه القواعد أبو الأنبياء إبراهيم ، عليه السلام ؛ ليكون أول بيت للّه في الأرض لعبادته . كانت للقرآن ولا تزال تلك المكانة العليا التي أرادها اللّه لكلمته الهادية ، والتي عبرت عنها الآيات القرآنية في وصف أثره في نفوس المؤمنين به في قوله تعالى :
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ
[ الزمر : 23 ] . وفي آية أخرى :
إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً
[ الإسراء : 107 - 109 ] . كتاب معجز يخاطب العقل والوجدان ، ويرسل هدايته إلى كل جبل يتحدى بإعجازه الزمان والمكان ؛ لأنه من لدن حكيم خبير . وهذه المعجزة من جملة ما نطقت به الألسن ، وما جرى في الاستخدام اللغوي من حروف وألفاظ ، ولكنها في الذورة من البلاغة التي لم تعهد في تراكيبهم الأسلوبية ، ولم تتخلف هذه البلاغة ، ولم تضعف هذه الفصاحة ، بالرغم من كثرة سوره ، وتكرار موضوعاته وأغراضه ، واختلاف أساليبه وعباراته من إيجاز ، وإطناب ، وتقديم ، وتأخير ، حتى أن هؤلاء العرب وحذاق الكلام مع شدة عداوتهم للإسلام ، لم يجدوا فيه مجالا لطعن ، بل قالوا : إنه ليس من جنس الخطب والشعر ، وبدءوا ينسبونه إلى السحر مرة ، وإلى أنه إفك مرة أخرى افتراه محمد ، وأعانه عليه قوم آخرون ، أو أساطير الأولين اكتتبها ، فهي تملى عليه بكرة وأصيلا .