تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
موقف تعجز مؤثرات الحياة ومغرياتها أن تحول تلك الطاقة من نقيض إلى نقيض ، من جاهلية ، إلى إسلام ، من شدة بغض ، إلى تفان في حب ، من جبار في الجاهلية ، إلى عادل في الإسلام ، كل ذلك فعلته تلك الآيات القرآنية التي جمعت بين الأسلوب الإنشائى في النداء بكلمة :
طه
، وبين الإخبار بالنعم الجليلة التي أسبغها اللّه على عبده محمد ، وهي نعمة القرآن والإسلام ، وما به من سعادة ، والتذكرة لأصحاب القلوب التي تخشى اللّه ، والإعلام بخالق الأرض والسماء ، والجدير بالعبادة ، والإيمان ، والطاعة . كل ذلك كان سبيلا إلى قلب عمر وعقله ، فاستجاب للّه ، وكان سلاح الإسلام وعونه ضد الشرك وأعوانه . موقف آخر يدل على تأثير القرآن في النفوس المتفتحة لقبول الدعوة والاستجابة لكل معروف ، فقد أرسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أول معلم للقرآن إلى المدينة بعد أن دخل بعض أهلها في الإسلام ، وهو مصعب بن عمير ، فأخذ يعلمهم القرآن ، وعلم بذلك سعد بن معاذ سيد الأوس ، ففزع فزعا شديدا ، ورأى أن هذه بداية لشئ خطير يزلزل من مكانته ، فقال لابن أخيه أسيد بن خضير : ألا تذهب إلى هذا الرجل وتزجره ؟ ! فلما ذهب إليه أسيد ، قال له : ما جاء بك ؟ وهدده ، وقال له : اعتزل إن كان لك في نفسك حاجة ، ولكن مصعبا أجابه في ثبات المؤمن ، قائلا : أو تجلس فتسمع ؟ فإن رضيت أمرا قبلته ، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره . ثم أخذ مصعب يقرأ القرآن ، وأسيد يسمع ، فما قام من مجلسه حتى أسلم ، ثم ذهب إلى عمه ، وقال له : ما رأيت بالرجل بأسا ، فغضب سعد ، وذهب إلى مصعب ثائرا ، فاستقبله مصعب بمثل ما استقبل به أسيدا ، وانتهى الأمر بإسلام سعد الذي ذهب إلى قبيلته وجمعها ، وقال : ما تعدوننى فيكم ؟ قالوا : سيدنا وابن سيدنا ، فقال سعد : كلام رجالكم ونسائكم علىّ حرام حتى تسلموا ، فأسلموا جميعا . ويكفى أن هذه الآيات من كلام رب العالمين ، الآمر بكل حسن ، الزاجر عن كل معصية ، الداعي إلى مكارم الأخلاق ، الهادي إلى الصراط المستقيم ، والمعجز بكل صوره وأشكاله الأسلوبية التي صيغ منها ، فهو متنوع بين الأسلوب الخبرى والإنشائى ، والإيجاز والإطناب ، والأسلوب المباشر ، والأسلوب القصصى ، والأسلوب المعتمد على الوصف ، والأسلوب الحكمي ، والأسلوب القائم على ضرب المثل ، إلى اللفظ المعبر ، والتعبير المصور والمشخص ، كل هذا التنويع جاء في مقامه ، ونجح في تحقيق أهدافه ،