من مجموع الروايات الآنفة الذكر ، والرّوايات والتّواريخ الأخرى التي يطول المقام بذكرها ، يتضح جيداً أنّ أجهزة التجسس والتفتيش كانت تعمل دائبة في عصر النّبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله والأئمّة المعصومين عليهم السلام سواءً في مجال كشف مؤامرات الأعداء ، أو في إبطال خطط الأجهزة الجاسوسية للمخالفين ، أو في التحقيق في سلوك موظفي الدّولة الإسلاميّة ، وكذلك كشف مؤامرات المنافقين في داخل الدّولة الإسلاميّة .
وبطبيعة الحال ، فإنّ أساليب « التّجسس » و « ضد التّجسس » في زماننا تغيرت كثيراً كغيرها من المسائل عمّا كانت عليه في ذلك الوقت واتسعت وتعقدت كثيراً واستفيد فيها من التّكنولوجيا الحديثة المتطورة بشكل واسع .
ولا شك ، أنّ الحكومة الإسلاميّة في هذا العصر لا يمكنها الاكتفاء بالأساليب القديمة والبدائيّة للوصول إلى أهدافها الأمنية بواسطة الأمن المضاد ، بل لابدّ أن تتجهّزَّ بكلّ الوسائل المتطورة ، لكي تكشف كل مؤامرات الأعداء ومخططاتهم الرامية إلى تضعيف الدولة الإسلامية وقهرها ، كما أنّ عليها أنْ تراقب بدقة تصرفات المسؤولين في الدوّلة الإسلاميّة ، ونشاطات الأحزاب والتجمعات السياسيّة المتواجدة ، لإقرار الأمن والحدِّ من المفاسد والتخريب .
وعلى الحكومة الإسلاميّة أن تستعين بالتّكنولوجيا الحديثة وكلّ أساليب التّجسس ولا تكتفي بالأساليب القديمة .
وعلى الرّغم من أنّ هذا يكلِّفُ الدّولة أموالًا طائلة ، إلّاأنّه قد يكون صرف أموال قليلة في هذا المجال سبباً للحدِّ من ضياع أموالٍ طائلة في المجالات العسكريّة والسياسيّة والإقتصاديّة ، أو تكون سبباً في الوقاية من خسائر كثيرة لا يمكن تعويضها .
فمثلًا لو أنّ أجهزة التّجسس في الدّولة الإسلاميّة ، كشفت عملية تفجير تستهدف زعزعة أمنها ، فإنّها ستمنع من حدوث خسائر فادحة في القوى البشريّة والاقتصاديّة ، والأهم من ذلك أنّها ستكشف مؤامرة الأعداء العسكريّة الخطيرة وتمنع من مضاعفات مثل هذا العمل .
نفحات القرآن — صفحة 333
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٣٣