بها العدو ، ذلك الصّلح العادل الحقيقي لا الصّلح الكاذب الذليل .
وذكر في سبب نزول هذه الآية ، إنّها تحكي عن طائفة « الأشجع » حيث جاء جمع منهم بزعامة مسعود بن رجيله إلى مقربة من المدينة ، فأرسل الرسول صلى الله عليه وآله ممثلين عنه إليهم للتّعرف على نواياهم من هذا السّفر ، فقالوا :
جئنا للتّعاقد مع محمّد على ترك المخاصمة ( وأن نكون على حياد في نزاعكم مع الآخرين ) . فأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أن يأخذوا إليهم مقداراً من الّتمر بعنوان الهديّة ، ووقع على عقد ترك التّعرض معهم .
ومن البديهي أنّ مفهوم الآية قانون كلّي عام وخالد ، وإن كان سبب نزولها مورداً خاصّاً ، لإنّنا نعلم بأنّ سبب النّزول لا يحدد مفهوم الآيات العام .
وفي الآية الرّابعة ، حديث عن الحروب المحتملة في داخل الدّولة الإسلاميّة بين الأجنحة المتخاصمة ، أي طوائف من المؤمنين ، ففي الآية أمرٌ أكيد على إقرار الصّلح بينها ، فإن أُغلقت كلّ الطّرق إلّاقتال الفئة الباغيّة لتحقيق الصّلح والسّلام ، كان ذلك واجباً على المؤمنين ، يقول تعالى :
« وَإِنْ طَائِفَتانِ مِنَ الْمُؤمِنيِنَ اقْتَتَلُوا فَاصْلِحُوا بَيْنَهُمَا » ثُمّ يضيف « فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الاخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِى تَبْغى حَتّى تَفِىءَ إِلَى امْرِ اللَّهِ » ، وفي الختام يعود إلى مسألة الصّلح ويقول : « فَانْ فَاءَتْ فَاصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَاقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ » .
فالمستفاد من صدر الآية هو أنّ ترك الخصام وإقرار الصّلح داخل الدّول الإسلاميّة أصل أساسي أيضاً ، ولذا فإنّ الشّارع جوّز القتال باعتباره آخر الحلول المتصورة لتحقيق هذا الهدف !
ويستفاد من ذيل الآية أنّ الصّلح لابدّ أن يكون عادلًا ومن موقع القوّة ، لا أنْ يكون جائراً ومن موقع الضّعف والاستسلام ، إذ إنّ مثل هذا الصّلح الأخير يكون دائماً متزلزلًا وغير ثابت ويُربّي في داخله نطفة الحرب .
نفحات القرآن — صفحة 294
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٩٤