تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » . والمهم هنا هو أنّ هذه الآية في سورة الأنفال وردت بعد آية شريفة تأمر المسلمين بالاستعداد الدّائم وتهيئة كافة أنواع القوى لإخافة الأعداء . أي أنّ الهدف الأصلي ليس هو الحرب ، بل من أجل تقوية دعائم الصّلح أيضاً ، إذ لو لم يكن المسلمون مستعدين تماماً ، لسيطرت الروح الاستعمارية والتسلط على تفكير العدو . والنّكتة المهمّة الأخرى هنا هي استخدام لفظ « جَنَحُوا » المأخوذة من مادة ( جَناح ) بمعنى الخضوع والرّغبة والتّحرك نحو الشيء ، ومفهومها التّرغيب في قبول حتّى المحادثات الأوليّة للصّلح . والتّعبير ب « توكّل على اللَّه » قد يكون إشارة إلى أنّ بعض المسلمين أخذ يروّج أنّ رغبة العدو في الصّلح إنّما هي خدعة منهم ، ولذا خالفوا ذلك ، أو على الأقل دبّت فيهم بعض الوساوس . فالقرآن يخاطب الرّسول الكريم ويأمره بعدم الأخذ بآراء هؤلاء ووساوسهم إذا ما رغب العدو في الصّلح ، وإنّما عليه أن يتوكل على اللَّه ويجنح للسّلم مع رعاية موازين الاحتياط اللازم . فهذه الآية من الآيات التي توصي الحكومات الإسلاميّة باتخاذ الرّغبة في الصّلح أصلًا أساسياً في سياساتها ، وما قاله البعض من أنّ هذه الآية نسخت بآيات الجهاد « 1 » لا أساس له ، إذ لا دليل عليه ، حيث لا تنافي بين آيات الجهاد وهذه الآية ، فلا ضرورة للقول بالنسخ . وفي الآية الثّالثة إشارة إلى مجموعة من الكفّار من أنصار الحرب ، حيث تقول : « فَانِ اعْتَزلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَالْقَوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبيِلًا » . وتعبير « فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا » تأكيد كاملٌ على قبول دعوة الصّلح التي تقدم
هامش
( 1 ) راجع تفسير الكبير ، ج 15 ، ص 187 .
نفحات القرآن — صفحة 293 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي