الأجيال والعصور المختلفة وفي الأمكنة المختلفة ، فهو يربط أهل القرون السّابقة بالقرون السائدة واللاحقة ، ولذلك يقول أحد العلماء : « بيانُ اللِّسان تُدرِسُهُ الأعوام وما تُثبتُهُ الأقلام باقٍ على مرِّ الأيّام » .
وكذلك قال بعض العلماء : « ينبغي أن لا تسقط برايا الأقلام تحت الأقدام ، فإنّها محترمة أيضاً ! » .
والنّكتة الملفتة للنّظر هي أنّه كما أنّ البيان من خصوصيات الإنسان ، فإنّ القلم أيضاً من مختصاته ، بل إنّ القلم أعقد بكثير من البيان باللِّسان ، وليس عبثاً أن يكون أمرُ تعليم الكتابة بالقلم من قبل اللَّه نفسه - بشكل مباشر بواسطة أحد الأنبياء ( آدم أو إدريس ) أو بطريق غير مباشر ، أي منح موهبة وقابلية القراءة والكتابة للبشرية - من أكبر النعم الإلهيّة على الإنسان ، وأنّ الآيات القرآنية الأولى للوحي قد استندت إلى القلم ، وأشارت إليه بعد الإشارة إلى عظمة اللَّه .
وفي الآية الثّالثة وهي مقطع من أطول آيات القرآن المجيد ، والنّاظرة إلى تنظيم العلاقات اليوميّة بين النّاس ، نجد اهتماماً خاصاً بمسألة القلم ، يقول عزّوجلّ : « وَلْيَكْتُبْ بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ » ثُمّ يضيف : « وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلُيملِلِ الَّذِي عَلَيهِ الحَقُّ . . . » .
فهنا تعتبر الآية أنّ القدرة على الكتابة موهبة إلهيّة ، ويوصي أولئك الّذين شملتهم هذه العناية الرّبانيّة أن يعينوا أولئك الأميين لإحقاق حقوقهم ، فيستفيدوا من هذه القدرة ويكتبوا لهم .
نفحات القرآن — صفحة 254
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٥٤