مكة - وهي أكبر مركز عبادي سيّاسي واقتصادي في الحجاز حسب قول بعض العلماء - إلى أكثر من عشرين شخصاً !
فالقَسَم بالقلم في مثل هذا المحيط له من العظمة والجلال الكبيرين مالا يخفى !
ومن فلسفة القسم في القرآن هو أنّه كان يحفز المسلمين على التأمل في الأمور التي يُقسَمُ بها ، وفي هذه الآية كان الأمر كذلك ، فصار ذلك سبباً في اتساع أمر القراءة والكتابة والتّأليف وترجمة كتب المجتمعات الأخرى ، وانتشار العلوم في العالم الإسلامي .
وتعتبر الآية الثّانية ، من أولى الآيات - طبقاً للرأي المشهور - الّتي نزلت على قلب النّبيّ الطّاهر في جبل النور في غار حراء ، وكانت أولى ومضات الوحي ، ولذا فإنّها إشارة إلى أَهم المسائل ، فعندما يأمر تعالى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بتلاوة آيات القرآن ، يقول له : « اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الانْسَانَ مَالَمْ يَعْلَمْ » .
وبهذا فإن أوّل وصف للَّهتعالى بعد الرّبوبيّة والكرامة هو وصف التّعليم بواسطة القلم وهو منبع تعليم « مالم يعلم » .
ومن هنا فإنّ بداية الوحي نشأت مع بداية الحركة العلميّة ، وهذا المعنى عميق ودقيق ومربٍّ لكل مسلم .
فمثل هذه العبارات ، حفّزت المسلمين باستمرار على الاهتمام بالكتاب والمكتبات وتعلم العلوم والمعارف ، وإذا كانت الرّوايات قد صرحت بأن « مداد العلماءِ أفضل من دماءِ الشُهداءِ » ، فإنّ ذلك من أجل أن أسس دماء الشهداء مبتنية على المعارف والعقائد التي تنبع أساساً من القلم ، كما أنّ سند بقاء دماء الشهداء هو مداد أقلام العلماء .
إنّ تفاهم النّاس فيما بينهم وانتقال الأفكار ينحصر في طريقين عادة : البيان والقلم ، مع تفاوت بينهما وهو أنّ البيان وسيلة للارتباط بين الحاضرين في مكان وزمان واحد ، أمّا الارتباط بالقلم فلا ينحصر في الحاضرين ، وإنّما يعتبر القلم وسيلة للارتباط بين أبناء
نفحات القرآن — صفحة 253
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٥٣