تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
الأغنياء ، والفقراء عاجزون عن القيام بمثل ذلك ، والأغنياء القادرون على ذلك يخشون التعرض للتأنيب إذا تركوه ، وعلى هذا الأساس فانَّ عدم عمل الآخرين بهذه الآية لا يسلب الفضل عنهم « 1 » . ولكن ، يبدو أنَّ هؤلاء المفسرين الكبار ! قد نسوا الآية الثانية خلال اختلاقهم لهذه المبررات ، إذ وجّه القرآن الكريم اللَّومَ لمن تناجوا آنفاً وتركوا ذلك بعد نزول حكم الصدقة ، فيقول تعالى : « ءَاشْفَقْتُم انْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَى نَجوَاكُم صَدَقَاتٍ » . ثم يعدُّ القرآن هذا الفعل وكأنّه معصية ، ويعتبرهم إجمالًا مشمولين بالتوبة « وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُم » ، ومن أجل تلافي هذا العمل القبيح أمرهم بإقامة الصلاة وايتاء الزكاة وإطاعة اللَّه ورسوله . فلو كان الوقت ضيقاً لما كان هناك ما يدعو للتأنيب واللوم ، ولا حاجة للتوبة ، وإذا كان هدفهم استقطاب قلوب الفقراء وإزالة الاضطراب عن قلوب الأغنياء فهو عمل يستحق التشجيع والتكريم ، فلماذا يوجه الباري تعالى اللوم لهم ويتحدث عن التوبة ؟ إذن من خلال التأمل في هذه الآية يتبيّن جيداً أنّ عملهم كان قبيحاً . فالواقع أنّ القضايا الواقعة لا تتفق والحكم المسبق لهؤلاء الاخوة ، فإنّ كل شيء وحتى آيات القرآن الكريم يلفّها النسيان ، والحال أنّها شاخصة أمامهم . وهنا يقول البعض من أجل التقليل من أهمية هذه الفضيلة : لقد كان الفاصل الزمني بين نزول آية النجوى ونسخها ساعة واحدة فقط ، لهذا لم يفلح كبار الصحابة بالعمل بها ، فهؤلاء من الناسين أيضاً ، حيث لم ينتبهوا إلى لحن آية النسخ ، الآية التي توجهت إلى بعض الصحابة باللوم لتركهم الصدقة خشية الاملاق ، وتغاضوا عن النجوى ، والآن فإنّ اللَّه تعالى يقبل توبتهم . فإذا كان الفاصل الزمني بينهما ساعة واحدة فقط لن يبق مجال لهذه الجدالات ، وعليه فمن المناسب أن تكون هناك رواية تقول : إنّ الفاصل الزمني بينهما كان عشرة أيّام « 2 » .
هامش
( 1 ) التفسير الكبير ، ج 29 ، ص 272 ؛ وتفسير روح المعاني ، ج 28 ، ص 28 . ( 2 ) في تفسير روح المعاني ، نقل هذا القول عن مقاتل الذي كان معاصراً للمنصور الدوانيقي ، ومن تلامذة التابعين .