وَالْأَبرَصَ بِإِذْنِى وَاذْ تُخْرِجُ المَوتَى بِإِذْنىِ » . ( المائدة / 110 )
والملفت للنظر هو أنّ اختلاف التعبير الذي كان في سورة آل عمران ظاهرٌ بدقّة هنا أيضاً ، أيلم تُنسب مسألة الخلق وخلق الطير إلى المسيح عليه السلام ، ولكن نُسبَ إليه احياء الموتى وشفاء المرضى والعمي الذين يستحيل علاجهم ، وإنْ جاء التعبير بإذن اللَّه في كل ذلك .
وملخص الكلام أنّ هذه الآيات تثبت بأنَّ الولاية التكوينية لعيسى عليه السلام هي في نطاق خاص ، وليس هنالك دليلٌ على اختصاصها المطلق بالمسيح عليه السلام ، ويمكن أن تصدق بحق سائر الأنبياء أو الأئمّة المعصومين عليهم السلام بمقتضى أنّ : « حكمُ الأمثال في ما يجوز وما لا يجوز واحدٌ » .
وفي الآية الثانية يتحدث تعالى عن تسخير الرياح لسليمان عليه السلام ويقول : « فَسَخَّرنَا لَهُ الرِّيحَ تَجرِى بِأَمرِهِ رُخَاءً حَيثُ اصَابَ » .
ويستفاد من هذه الآية والآيات التي تليها أنّه وكما أنّ الشياطين كانت تُنفِّذ أمر سليمان وتنجزُ له أعمالًا مهمّةً في البر والبحر ، فإنّ الريح كانت تُنفِّذ أمره أيضاً ، وكانت تتحرك حيث يأمرها ، وهذا الأمر ليس سوى مصداق للولاية التكوينية في هذا الجانب من الموجودات .
وورد نظير هذا المعنى أيضاً في سورة الأنبياء ، والحديث هنا عن أمر سليمان عليه السلام على العواصف ، إذ يقول تعالى : « وَلِسُلَيَمانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجرِى بِأَمرِهِ الَى الارضِ الَّتِى بَارَكنَا فِيهَا » .
( الأنبياء / 81 )
وهذا الاحتمال واردٌ أيضاً فيما جاء في قصة موسى عليه السلام في البقرة ، الآية 60 : ( من ضرب الحجر وانبثاق عين الماء فيه بإذن اللَّه ) ، ( وكذا ضربُ البحر بالعصا ، حيث يقول تعالى :
« فَاوْحَيْنَا الَى مُوسَى انِ اضْرِبْ بِّعَصَاكَ البَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّودِ العَظِيمِ » . ( الشعراء / 63 )
نفحات القرآن — صفحة 125
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٢٥