الانسجام الذي هو أحد الأدلة على عظمة هذا الكتاب السماوي ؟ وإذن ما المانع من أن يكشف القرآن الستار بوضوح عن البحوث التوحيدية ومعرفة اللَّه تعالى ، والمسائل التربوية المستندة لجملة من الحقائق العلمية المجهولة بصورة كاملة في ذلك العصر ، ومن ثم يوجه أتباعه ويوقفهم على هذا الأمر ، فبالإضافة إلى تحقق النتائج التوحيدية والأخلاقية من وراء ذلك ، يعتبر إمارة واضحة على حقانية القرآن فضلًا عن أنه يفتح باباً واسعاً للعلوم والمعارف .
وعلى هذا الأساس سنتطرق بدقة إلى نقطتين مهمتين في هذا البحث المتواصل وهما :
1 - سنختار المسائل الثابتة والمسلَّمة مائة بالمائة من العلوم الطبيعية مثل قانون الجاذبية ، والزوجية في عالم النباتات ، حركة الأرض ، وحركة المنظومة الشمسية ، وأمثال ذلك ممّا ثبت بالأدلة الحسية في يومنا هذا .
2 - سننتخب من الآيات في هذا المجال ما هو صالح للانطباق على القواعد العلمية العصرية بدون أدنى تكلُّف أو تأويل ، أو بعبارة أخرى فدلالة الآيات التي تقع مورداً للقبول ، هي التي تكون وفق القواعد الأدبية التي يكثر فيها استفادة المعاني من الجمل والكلمات .
1 - القرآن وجاذبيته العامة
نقرأ في قوله تعالى : « اللَّهُ الَّذِى رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ » . ( الرعد / 2 )
مما يستحق الاهتمام في هذه الآية ، أنّ القرآن لا يقول : إنّ السماء ليس لها عمد ، وإنّما يقول : ليس لها عمد قابل للرؤية والمشاهدة . يستفاد جيداً من هذا التعبير أنّ أعمدة السماء غير مرئية وأنّ هذه الأعمدة هي التي أرست دعائم السماء « 1 » .
هامش
( 1 ) يستفاد من ظاهر الآية أنّ « ترونها » وصف ل « عمد » ، وقول البعض : إنّ مفهوم الآية « ترونها بغير عمدٍ » هو أنّكم ترون السماء بغير عمد ( وعلى هذا ، فعبارة « بغير عمد » جار ومجرور ومضاف إليه متعلقة ب « ترونها » ) ، خلاف الظاهر أولًا ، وثانياً ، إنّ هذا التعبير يشير إلى أنّكم ترون السماء بدون عمد في حين أنّ لها أعمدة في حقيقة الأمر .