تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
هذا التعبير لا ينحصر بالآية المذكورة ، بل قد ورد نفس هذا المعنى أيضاً بتفاوت ضئيل : « وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الُمخْلَصِينَ » . ( الحجر / 39 - 40 ) وفي الآية الثامنة نرى هذا المعنى أيضاً بشكل آخر حيث يحكي تعالى عن فريق من الأنبياء الكبار : « إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ » . وكما قلنا في خصائص الأنبياء عليهم السلام ف « المخلص » ( بكسر اللام ) هو الذي يسعى لتصفية قلبه وهي المرحلة الرفيعة من التقوى وطهارة القلب والمرحلة الأرفع والأسمى منها هي « المخلص » ( بفتح اللام ) وهو يختصّ بأولئك الذين طهّرهم اللَّه تعالى من كلّ الشوائب والقبائح ، نتيجة سعيهم المتواصل لتهذيب أنفسهم ، ولهذا يرتبطون باللَّه تعالى بكلّ وجودهم ، وبديهي أنّ الشيطان لا يجد إلى نفوسهم طريقاً أبداً ، إذ لامكان لغير اللَّه في قلوبهم ولذا لا يفكّرون بمن سواه ولا يتمنّون غير رضاه . ومن المسلّم أنّ صفة كهذه ملازمة لمرتبة العصمة ، وذلك لخروجهم عن دائرة طاعة الشيطان ، وبالشكل الذي جعله لا يفكّر في صرفهم أبداً ، كما أنّهم خالصون للَّه‌تعالى من ناحية الصفات النفسانية والميول والرغبات ، ولهذا السبب لا تدنّسهم الخطيئة ولا يتّبعون الهوى . ومن البديهي أنّ استثناء الشيطان للأنبياء من بين بني آدم ، وعدم السعي لإغوائهم ، ليس لاحترام خاصّ يكنّه لهم باعتبارهم مخلصين ، بل ليأسه وقنوطه ويقينه بعجزه عن الوسوسة لهم . وبالرغم من أنّ الآيات الآنفة الذكر لا تشير صراحة إلى الأنبياء أو الأئمّة المعصومين ، لكن لفظة « المخلصين » وكيفما فسّرناها تخصّ الأنبياء وأوصياءهم ، لعدم وجود أفضل منهم من بين عباد اللَّه ، والملفت للنظر أنّ هذا التأييد الإلهي المانع من ارتكاب المعصية وهو السبب في العصمة ، والذي يدور حول محور الإخلاص متجسّد في قصّة يوسف أيضاً ، يقول
نفحات القرآن — صفحة 77 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي