تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
تعالى : « كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الُمخْلَصِينَ » . ( يوسف / 24 ) هذا التعبير يبيّن أنّ من يكون « مخلصاً » يتخلّص من ثورة هوى النفس وطغيانه ، والوساوس الشيطانية ببركة الإمدادات الغيبية ، وجملة « إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الُمخْلَصِينَ » هي من قبيل القياس منصوص العلّة ، الذي يضفي العمومية على مفهوم الآية . مفهوم عصمة الأنبياء في ظلّ الإخلاص يتّضح من خلال مقاومة يوسف عليه السلام ، مع كونه شاباً أعزباً ، وصموده أمام أمواج الخطيئة المتلاطمة التي أحاطت بزورق وجوده من كلّ حدبٍ وصوب ، وفي ظروف حسّاسة تفوق المتعارف أمام الوساوس الكثيرة ، التي أثارتها تلك المرأة الجذّابة ، ولذا نجد أنّ لأقطاب المفسّرين عبارات تشير إلى مقام عصمة الأنبياء في ذيل الآيات المذكورة « 1 » . وفي الآية التاسعة خوطب نبي الإسلام صلى الله عليه وآله ضمن الحديث عن الأنبياء السابقين ، كإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى ، وفريق آخر من الأنبياء الكبار بقوله تعالى : « أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ » « 2 » . الملفت للنظر أنّها تأمر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بالاقتداء بهدايتهم بلا قيد أو شرط ! ، فهل يعقل عدم حصول أولئك الأنبياء عليهم السلام على مقام العصمة ثمّ يؤمر نبي الإسلام صلى الله عليه وآله بالاقتداء بهم بلا قيد أو شرط ؟ وبعبارة أخرى : في الآية أعلاه تمّ التأكيد أوّلًا على الهداية الإلهيّة لهم ، ثمّ تمّ التفريع على ذلك بالقول : الآن وبعد أن شملتهم الهداية الإلهيّة اقتد بهداهم ( تأمّل جيّداً ) . ومن المسلّم أنّ المراد ، بالهداية الإلهيّة هنا ليس رسم الطريق فحسب ، لعدم اختصاصه بالأنبياء فقط بل لشموله لكلّ الناس حتّى الكفّار ، وعليه فالهداية المذكورة هي نفس معنى الإيصال إلى المطلوب ( وبلوغ المقصود ) بعيداً عن أي خطأ وانحراف واشتباه ومعصية .
هامش
( 1 ) راجع تفسير مجمع البيان للطبرسي ؛ تفسير جامع البيان للشيخ الطوسي ؛ وتفسير الميزان للعلّامة الطباطبائي ؛ تفسير روح البيان للقرطبي ؛ وتفسير في ظلال القرآن لسيّد قطب في ذيل الآيات مورد البحث . ( 2 ) يجب ألّا يفوتنا أنّ « الهاء » في لفظة « اقتده » ليست ضميراً بل هاء السكتة التي تلحق الكلام عند الوقوف على الحرف المتحرّك .