النسبة بين قوّة الروح الإنسانية وشدّة اتّصالها بالعقل الفعّال الذي هو مصدر العلوم طردية .
واستنتجوا من هذه المقدّمات أنّ اتّصال أرواح الأنبياء بالعقل الفعّال ولشدّة قوّتها يفوق العادة ، ولهذا السبب تمكّنت من استلام معلوماتها الكليّة ( صورها ) من العقل الفعّال في أغلب الأحيان ، ونظراً لحدّة « قواهم التخيلية » التي يدركون بواسطتها « الصور الجزئية » ولتبعيّتها للقوّة العقلية في نفس الوقت ، فقد تمكّنت من إعطاء صور محسوسة مناسبة لتلك « الصور الكليّة » التي استلموها من العقل الفعّال ، لتتجسّد في أفق أذهانهم متلبسة بلباس الحسّ .
فمثلًا لو كانت تلك الحقائق الكليّة من قبيل المعاني والمعارف والأحكام فبإمكانهم سماعها على شكل ألفاظ موزونة جدّاً ، وفي غاية البلاغة والفصاحة على لسان شخص في غاية الكمال ، ونظراً لكمال هيمنة قواهم التخيلية على الحسّ المشترك ( الحسّ الذي يدركون من خلاله صور المحسوسات ) فبإمكانها إضفاء صبغة « الحسّية » على هذه الصور « الذهنية » ، وتمكين النبي من مشاهدة ذلك الشخص على هيئة ملك ببصره وسماع ألفاظه بأذنيه ! ( تأمّل جيّداً ) .
إنتقادات
هذه الفرضية قابلة للنقد من عدّة جهات :
أوّلًا - إبتناؤها على « الأفلاك البطليموسية التسعة » و « العقول العشرة » التي أبطل أحدها بشكل قاطع ، ولم يوجد أي دليل لإثبات الآخر ، وبديهي أنّ فرضية كهذه لا يمكن قبولها أو تقييمها .
ثانياً - هذه الفرضية ليست سوى محاولة للاهتداء إلى الطريق لحل مسألة خارجة عن نطاق أفكارنا ، والإحاطة بها تفصيلًا ، ( بالضبط كرغبة المكفوف للوقوف على حقيقة النور والألوان عن طريق الفرضيات التي ينسجها مستعيناً بحواسّه ) إذ من الواضح أنّ فرضيّة كهذه لا يمكنها أن تلاقي النجاح أبداً .