ثالثاً - لا تتناسب هذه الفرضية بأي وجه مع الآيات القرآنية التي تتحدث عن الوحي ، لأنّ الأخيرة تقول بصراحة : الوحي نوع من الارتباط باللَّه ، لا بالعقل الفعّال ولا عن طريق الإلهام بالقلب أو بواسطة ملك الوحي ( الملك الذي هو وجود واقعي يظهر أمامه لا أنّه متولّد من القوّة التخيلية أو تأثير الحسّ المشترك ) ، أو أنّه يسمع تلك الأمواج الصوتية التي أوجدها اللَّه في جسم ما بأُذنيه لا أنّ للأصوات صبغة خيالية ومتولّدة من تأثير القوّة التخيلية أو الحسّ المشترك .
وبناءً على هذا فالفرضية أعلاه مردودة عقلًا ونقلًا .
النظرية الثانية - فسّر بعض الفلاسفة المعاصرين الوحي كأحد مظاهر الشعور الباطني .
يقول فريد وجدي في « دائرة معارف القرن العشرين » في مادّة « الوحي » : كان الغربيون إلى القرن السادس عشر كجميع الأمم المتديّنة يقولون بالوحي ، لأنّ كتبهم مشحونة بأخبار الأنبياء فلمّا جاء العلم الجديد الذي فسر كل ظاهرةٍ تفسيراً مادياً ، ذهبت الفلسفة الغربية إلى أنّ مسألة الوحي من بقايا الخرافات القديمة ، وغالت حتّى أنكرت الخالق والروح معاً .
لكن بحلول القرن التاسع عشر الميلادي تغيّرت وجهة النظر في المسائل الروحانية وظهرت إلى الوجود ثانية مسألة الوحي ، إذ أعاد فريق من العلماء البحث فيها على قاعدة العلم التجريبي ، فتوصّلوا إلى نتائج وإن كانت غير ما قرّره علماء الدين الإسلاميون ، إلّاأنّها خطوة كبيرة في سبيل إثبات أمر عظيم كان قد نسب إلى عالم الخرافة » ، ثمّ يضيف قائلًا : إنّ المؤيّدين لمسألة الروح والمظاهر الروحية دوّنوا إلى الآن ( زمن تأليف دائرة المعارف ) خمسين مجلّداً ضخماً حول المطالب أعلاه ، وتمّ حلّ الكثير من المسائل الروحانية بها من جملتها مسألة الوحي « 1 » !
هذا نموذج من كلمات العلماء حول هذه المسألة إذ الكلام حولها كثير ، ولكن بالإمكان بيان خلاصة كلامهم كما يلي :
هامش
( 1 ) دائرة معارف القرن العشرين ، مادّة ( الوحي ) .