ومن هنا كان المخالفون يستشكلون على الأنبياء بأنّكم بشر مثلنا فكيف تمكنتم من الارتباط بما وراء الطبيعة ؟ ولذا فقد توسّلوا بالمعجزات لإثبات تفاوتهم مع الآخرين « 1 » .
ومع أنّ كلا الجوابين مناسبان وفي نفس الوقت لا تنافي بينهما ، فالأوّل يبدو وكأنّه أوضح من الثاني .
3 - الاختلاف بين معجزات الأنبياء عليهم السلام
من المعلوم أنّ معجزات الأنبياء الإلهيين كانت متفاوتة ومتنوّعة كثيراً ، فهل يا ترى أنّ هذا الأمر كان من قبيل الصدفة ؟ أم أنّ هناك فلسفة ما وراء ذلك .
إنّ احتمال الصدفة بعيد جدّاً ، والظاهر هو أنّ اللَّه الحكيم قد وضع معجزات الأنبياء بشكل بحيث تترك كلّ واحدة منها أكبر الأثر ، قياساً بالظروف الزمانية والمكانية لكلّ نبي على حده .
فمثلًا حينما نجد أنّ القرآن يُعتبر أكبر معجزة لنبي الإسلام صلى الله عليه وآله ، فانّ ذلك بسبب :
أوّلًا : أنّ نبي الإسلام صلى الله عليه وآله مبعوث إلى كلّ البشرية وإلى أبد الدهر ، ومن هنا فلابدّ والحالة هذه أن يأتي بمعجزة خالدة لا تفقد دورها بمرور الأيّام .
ثانياً : أنّه صلى الله عليه وآله كان اميّاً ، فمجيئه بمثل كتاب القرآن يعدّ من أرفع مراتب الإعجاز .
ثالثاً : إنحطاط المستوى الفكري لبيئة الجاهلية مع رفعة مضامين القرآن ، وهذا قرينة واضحة أخرى .
مضافاً إلى ذلك نجد أنّ أدبيات العرب وعلى اختلاف أفكارهم ومعارفهم كانت في ذلك الزمان قد بلغت الذروة ، إذ كان لهم شعراء فحول وخطباء يضرب بهم المثل ، وبالإمكان الوقوف على نماذج منها في الشعر الجاهلي . فحينما يستسلم مثل هؤلاء أمام فصاحة وبلاغة القرآن ، تتجلّى هذه المعجزة بشكل أوضح .
هامش
( 1 ) تفسير الميزان ، ج 1 ، ص 86 ، ذيل الآية 23 من سورة البقرة ( باقتباس ) .