تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
من سورة الروم : « غُلِبَتِ الرُّومُ * فِى أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِى بِضْعِ سِنِينَ » . ( الروم / 2 - 4 ) ومن الواضح أنّ الإخبار عن انتصار دولة مغلوبة على أمرها في المستقبل القريب ( خلال بضع سنين ) وبكلّ هذه الصراحة والثقة ، ليس بالشيء الذي يمكن الإحاطة به بالطرق الإعتيادية ، ولهذا فهو مصداق بارز لعلم الغيب . وفي موضع آخر يخاطب القرآن الكريم المسلمين « لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ » . ( الفتح / 27 ) وكان هذا الكلام في وقت أحكم فيه المشركون سيطرتهم على مكّة ، وقويت شوكتهم بدرجة بحيث تمكّنوا من فرض شروط صلح الحديبية على النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بحسب الظاهر ، إذن فالإخبار عن النصر السريع للمسلمين عليهم بشكل يمكنهم من إزالة أكبر عقبة تعترض طريقتهم ، ودخول مكّة بكل اطمئنان لم يكن سوى إخبار غيبي . وفي موضع آخر حينما علم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بأنّ إحدى زوجاته قد أطلعت الاخريات سرّاً على أمر كان أودعه عندها ، سألته قائلة : « مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا » . قال صلى الله عليه وآله : « نَبَّأَنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ » . ( التحريم / 3 ) وكذلك حينما أخفى فريق من المنافقين أعمالهم الشنيعة ، وجاءوا بأعذار واهية لغرض عدم الاشتراك في غزوة تبوك ، قال لهم الرسول : « لَاتَعْتَذِرُوا لَنْ نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ » . ( التوبة / 94 ) كما يخبر تعالى في موضع آخر عن حتمية هزيمة المشركين صراحةً ، مع أنّهم كانوا بكامل قوّتهم ، حيث يقول : « أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنْتَصِرٌ » . ويضيف على الفور : « سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ » . ( القمر / 44 - 45 ) لا شكّ أنّ المسلمين كانوا قلّة قليلة حين نزول هذه الآيات والعدوّ في أوج القدرة والغطرسة ، وتوقّع مثل هذا النصر المؤزّر والسريع غير ممكن بالطرق الإعتيادية ، ولكن لم يمض وقت حتّى وجّهوا ضربة قاصمة إلى العدو في أوّل حرب طاحنة معه ، أي في معركة
نفحات القرآن — صفحة 195 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي