أمّا الآخرون ( كالأنبياء والأئمّة المعصومين والملائكة ) فالطريق الوحيد لاطّلاعهم على علم الغيب هو الالهام الإلهي فحسب .
وبعبارة أخرى أنّ أشهر طريق للجمع بين هذه الآيات هو القول : إنّ المراد باختصاص علم الغيب باللَّه تعالى هو « العلم الذاتي الإستقلالي » ، ولذا فلا اطّلاع لأحد غيره على أسرار الغيب مستقلًا ، بل لابدّ أن يكون منه تعالى وعن طريق تعليمه ولطفه وعنايته ، وهذا في الواقع له « ميزة غير استقلالية » .
الأدلّة على الجمع بين الآيات المذكورة كثيرة يمكن الإحاطة بها بالتحقيق والتدقيق فيها ثانية .
كما أنّ الأحاديث الشريفة أيضاً تشير إشارة لطيفة إلى هذا الأمر :
منها : ما ورد في نهج البلاغة أنّ عليّاً عليه السلام خلال حديثه للإخبار عن وقائع المستقبل ( وتوقّعه لهجوم المغول على الدول الإسلامية ) قال : كأنّي أراهم قوماً كأنّ وجوههم المجان المطرّقة . . . فقال أحد أصحابه : لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب .
فابتسم عليه السلام وقال : ليس هو بعلم غيب ، وإنّما هو تعلّم من ذي علم ( أي من النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ) « 1 » .
الطريق الثاني : للجمع بين هذين القسمين من الآيات هو القول : إنّ علم الغيب الذي يختصّ باللَّه هو الإطّلاع على اللوح المحفوظ ، الذي يتحقّق كلّ ما فيه بلا زيادة ولا نقيصة لا محالة ، ( وهو في الواقع علم بالعلل التامّة للأشياء التي لا تنفكّ أبداً عن معلولاتها ) .
وأمّا الأنبياء والأئمّة المعصومون عليهم السلام فلهم اطّلاع على لوح المحو والإثبات القابل للتبديل والتغيير ، لأنّه علم ب « العلل الناقصة » لا « العلل التامّة » .
وبعبارة أخرى : إنّ من المحتمل أن تتواجد هناك موانع تعترضها وتغيّرها ، أو تغيب شروط تكاملها ، كما جاء في حديث عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام أنّه قال : « لولا آية في كتاب اللَّه لحدثتكم بما كان وما يكون إلى يوم القيامة ! فقلت له : أيّة آية ؟ فقال : قول اللَّه :
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة 128 .