تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
فضلًا عن مجموعها ، أن يكون دليلًا على ترك الأولى فقط ، من جملتها : أنّه تسرّع في ترك قومه إذ كان الأجدر به أن يصبر أكثر ، أو أنّه تعجّل بالدعاء عليهم ، أو أنّه كان ينبغي عليه انتظار الأمر الإلهي حين خروجه من بين قومه حتى ولو كان قد يئس من هدايتهم على ما يبدو . ولا يخفى أنّ أيّاً من هذه الأمور لا يعدّ ذنباً ، لكنّها لو لم تكن لكان أفضل ، وبناءً على هذا فقد استحقّ العتاب والملامة ، والتعبير ب « الظلم » أو « الابتلاء بالعقاب الإلهي » إنّما هو من باب « حَسَناتُ الابْرارِ سَيِئاتُ الْمُقَرَّبينَ » ، والذي تقدّم الكلام عنه مفصّلًا عند البحث عن ترك آدم عليه السلام للأولى ، كما يحتمل أيضاً تصوّره بأنّ اللَّه تعالى لن يضيق عليه « فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ » ، أنّ تصوّره هذا كان بمثابة ترك الأولى ، وذلك لأنّ تمتّع الأنبياء عليهم السلام بمستوى عالٍ من الإيمان يفرض عليهم العيش دائماً بين الخوف والرجاء لا اعتبار أنفسهم في أمان من العقاب الإلهي ، أو القنوط من رحمته . أمّا التعبير ب « مغاضباً » فواضح أنّه يعني الغضب على أعمال قومه المذنبين ، لا الغضب على اللَّه تعالى ! كما ذهب إليه بعض المغفّلين ، لأنّ هذا ليس فقط متنافياً مع مقام الأنبياء ، بل لا يتناسب وأدنى حدّ من الإيمان أيضاً لأنّ ما يقابل الغضب على اللَّه هو الكفر باللَّه . وعبارة « مغاضباً لربّه » الواردة في الروايات أو كلمات بعض أقطاب أهل التفسير إنّما تعني « مُغَاضِباً لَاجْلِ رَبِّهِ » أي أنّه غضب لأجل اللَّه تعالى نتيجة أعمال قومه . ومن هنا يتّضح سبب مكوثه في سجن مظلم تتوالى ظلماته الواحدة بعد الأخرى ( ظلمة بطن الحوت ، ظلمة البحر ، وظلمة الليالي ) ؟ وسبب عزمه على التضرّع والاستغفار وطلب العفو ، بتلك العبارات الموزونة المتينة : « لَاإِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ » . الملفت للنظر هو ما جاء في البعض من الروايات ، أنّ الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام قال : « حينما كان يونس في خلوته في بطن الحوت متوجّهاً بكلّ وجوده إلى العبادة مستجيراً باللَّه تعالى وحده ، اعتبر نفسه من الظالمين لأنّه لم يأت بعبادة خالصة كهذه من قبل ، فقال أن