تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
فرعون وبذل النصح لقوم موسى عليه السلام عندما كانوا يخطّطون لقتله ، وهدّدهم بالعذاب الإلهي وصرفهم عن هذا العمل فقال لهم : « فَسَتَذْكُرُونَ مَا اقُوْلُ لَكُمْ » ، فإن حملتم كلامي هذا على التعاون مع موسى عليه السلام وقصدتم ايذائي فاني : « وَأُفَوِّضُ امْرِى إلى اللَّهِ انَّ اللَّهَ بَصيرٌ بِالْعِبَادِ » . وبالتالي فقد نجّى اللَّه سبحانه هذا العبد المؤمن المجاهد من المؤامرات العديدة التي حِيكت ضدّه ( والتي كان من جملتها التعذيب والاعدام ) . وبالحقيقة ، أنّ التذكير بكون اللَّه بصيراً بالعباد هنا إنّما هو كناية عن عدم تخلي مثل هذا الرب عن عباده المجاهدين المخلصين ، وأنّ مثل هؤلاء العباد بإيمانهم بمثل هذا الرب سوف لا يهابون الصعاب ، ومن هذه الجهة فقد أشارت الآية التي بعدها إلى نجاته من مخالب الأعداء في ظل اللطف الإلهي . وهذه المسألة جديرة بالذكر أيضاً ، وهي الآصرة الوثيقة الموجودة بين كون اللَّه سبحانه بصيراً بعباده وبين تفويض الأمور له ، لأنّه كيف يمكن أن يدافع عن الإنسان من لا يعلم مشاكل الإنسان وحوائجه الظاهرية والباطنية ؟ وبتعبير آخر فالتفويض بمعنى ثمرة الإيمان بكون اللَّه بصيراً بالعباد وأمورهم ، والتفويض هنا طبعاً لا يعني أن يتقاعس الإنسان ويتكاسل أبداً ، لأنّ هذا الكلام صدر من رجل مجاهدٍ جازف بحياته من أجل الدفاع عن موسى عليه السلام ورسالته ، بل المقصود هو أداء التكليف ثم تفويض الأمر إلى اللَّه سبحانه وتعالى .

الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافاتٍ :

وأخيراً نجد أنّ المسألة خرجت من دائرة اعمال العباد فيالآية العاشرة والأخيرة من آيات البحث ، حيث أشارت الآية إلى جميع عالم الوجود وكون اللَّه بصيراً بتنظيم قوانينه : « اوَلَمْ يَرَوْا الَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ » . فمن الذي يُمسك هذه الأجسام الثقيلة في الجو التي تقاوم قانون الجاذبية ، لساعات أو أسابيع أو أشهر ؟ وقد تواصل بعض الطيور المهاجرة طيرانها لمدّة أسابيع وأشهر متواصلة