تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
الفلاسفة بأنّ الأمور على خمسة أنواع : الأشياء التامّة الخير والتي يُستلزم صدورها من اللَّه عزّوجل ، والأشياء التامّة الشر التي يستحيل صدورها من اللَّه عزّوجل ، والأشياء التي يغلب خيرها وهي ضرورية الصدور من اللَّه أيضاً ، والأشياء الغالبة الشّر أو التي تساوى خيرها وشرّها ، فكلاهما لا يصدران من اللَّه تعالى ، وما نراه من الحيوانات المؤذية في عالمنا فانَّ فوائده الوجوديّة أكثر من شره ، « ولذلك خُلقوا » « 1 » . لذا يُحتمل أن يكون المقصود من خلق الشّر من قبل اللَّه تعالى هو الأمور التي فيها نسبة من الشّر ، لكن خيرها غالب في المجموع . والسؤال الآخر المطروح بصدد هذه الرواية هو : أنّ الرواية تقول بأنّ اللَّه يجري الخير والشّر على يد فئات مُختلفة من الناس ، أفلا تُعطي هذه المسألة رائحة الجبر ؟ وكيف يمكن للخالق الحكيم أن يجعل أفراداً وسيلة للشرّ والفساد ؟ والجواب على هذا السؤال أيضاً ، بالنظر لما مضى سابقاً ، ليس بأمر مُعقّد ، لأنّ هذه التعابير تُشير إلى التوحيد الأفعالي الإلهي ، أي أنّ ذاته منتهى كُلّ شيء ولكن اللَّه قد منح الإنسان حرّية الإرادة وخيارها ومكّنه من أسباب الخير والشّر والصلاح والفساد ليبتليه ، فالبشر هم الذين يُصمِّمون التصميم النهائي في انتخاب نوع الطريق ، ونوع البرنامج السلوكي ، ومُسلّماً أنّ اللَّه يجري أنواع الخير على يد الذين ينتهجون طريق الإيمان والعمل الصالح . ومن هنا يتضح تفسير الآيات التي تقول : « فَمَن يَعمَلْ مِثقَالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ * وَمَن يَعمَلْ مِثقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ » . ( الزلزال / 7 - 8 ) وخلاصة الكلام هو أنّ الشر بمفهومه العدمي ليس بمخلوقٍ إلهيّ ، وما هو مخلوق شيئان : 1 - الأمور الوجوديّة الأصل لكنها أسباب الأمور العدميّة ، وقد ذكرنا أمثلتها . 2 - الأمور التي خيرها يغلب شرّها ، أو بتعبير أخر شرها نِسْبي ، كالكثير من سموم الحيوانات التي تؤدي إلى موت وهلاك الإنسان في حالات معينة ، لكنها وكما نعلم مادّة صناعة الكثير من العقاقير الشافية من جهة أخرى ، ويوجد في مراكز صناعة الأدوية أقسام لحفظ الثعابين الخطرة وذلك للاستفادة من سمومها ، علاوةً على هذا فإنّ أنياب وسُمّ هذه
هامش
( 1 ) مرآة العقول ، ج 2 ، ص 171 ، باب الخير والشر ، ح 1 .
نفحات القرآن — صفحة 383 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي