تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
وكذا لا يُمكن أن يتساوى تركيب أعصاب جرّاح للقلب مع اعصاب شاعرٍ دقيق النظر ، أو عالمٍ في الرياضيات مع مهندسٍ زراعي ، أو كلاهما مع عامل صناعاتٍ ثقيلة ، وهؤلاء الثلاثة مع جندي أو ضابطٍ عسكري ، وهؤلاء الأربعة مع قاضٍ مُعيَّنْ ، لأنّ لكل واحدٍ منهم وظيفته الخاصّة في المجتمع وله ذوق واستعداد وبناء جسماني روحاني خاص مناسب لذلك . وهذا المطلب بدرجة من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى زيادة في التوضيح ، وبالأساس أنّ من إحدى دلائل عظمة اللَّه هي هذا التقسيم الدقيق للأذواق والاستعدادت التي تُشكّل جميعها مجموعة متعادلة ومتوازنة كلٌّ في محله الخاص ! وخلاصة الكلام هي أنّ البشر ليس كالأواني المتشابهة التي تُصنع في معملٍ واحد ، ولجميعها فائدة واحدة ، فلو كان كذلك لما استطاعوا العيش مع بعضهم حتى يوماً واحداً ، فالمهم في حياة البشر وجميع عالم الخلق هو العدالة لا المساواة ، ووضع كل شيءٍ في محلّه لا التشابه . وللقرآن الكريم إشارات غنيّة في هذا المجال ، حيث قال في موضعٍ : « وَرَفَعنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيّاً » . ( الزخرف / 32 ) « سُخريّاً » : مشتقة من مادّة ( تسْخير ) ، ومفهوم الآية هو : إنّ تفاوت درجات الناس تؤدّي إلى تسخير بعضهم بعضاً ، أو تدفع بهم إلى التعاون المتقابل ، فالمريض مُسَخّرٌ للطبيب والطبيب مُسخّر للمعمار في حوائج اخرىْ ، أو الفلاح مسخّر للتاجر ، لأنّ لكل واحدٍ منهم أفضليّة على الآخر من جهة معينة ، وهذه بذاتها تُوجِد ( الخدمات المتقابلة ) أو ( التسخير ) وفق التعبير القرآني . وقد اتفق أغلب المفسّرين الإسلاميين من الشيعة والسُّنة على تفسير الآية بهذا الشكل ، أي كون المقصود من ( سُخريّاً ) هنا هو التسخير في الخدمات المتقابلة « 1 » .
هامش
( 1 ) تفسير مجمع البيان ، ج 9 ، ص 46 ؛ تفسير الميزان ، ج 18 ، ص 104 ؛ القرطبي ، ج 9 ، ص 5903 ؛ تفسير الكبير ، ج 27 ، ص 209 ؛ تفسير روح‌المعاني ، ج 25 ، ص 72 ؛ تفسير المراغي ، ج 25 ، ص 85 .