تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
( كشبكيّة العين ) لذا نجد أنّها موضوعة في محفظة قوية جدّاً لكي تكون بعيدة تماماً عن ساحة الحوادث ، وهذه الخلقة اللطيفة والظريفة جدّاً ، إنّما هي بسبب الواجب الحسّاس جدّاً الملقى على عاتقها وهو ( التصوير المستمر للمشاهد المختلفة من مسافات بعيدة وقريبة وفي أجواء متفاوتة ) . وهنالك خلايا صلبة ومحكمة ومقاومة جدّاً ، كخلايا عظام كعب القدم ، أو عظام الساق التي علاوةً على تحمّلها جميع وزن البدن ، يجب أن تكون مُقاومة للضربات القوية والصدمات . فلا يُمكن إذن لأيعاقل أن يعترض على تفاوت بُنية هذيْن العضويْن ؟ أو يعترض على عدم خلق جميع خلايا البدن بنفس ظرافة خلايا شبكيّة العين ، أو بنفس صلابة خلايا الساق ، أو القدم ، أو بنفس سُمك جلد كعب القدم ؟ ويُمكن إجراء نفس هذه الحسابات بخصوص أعضاء شجرة أزهار صغيرة مع شجرة كبيرة ابتداءً من جذورها القويّة ، إلى سيقانها ، وأغصانها الصغيرة والكبيرة ، وبالتالي أوراقها مع أوراق الأزهار والشعيرات الصغيرة الدقيقة الموجودة في داخل كُلّ زهرة . ولو أمعنّا النظر جيّداً لوجدنا أنّ أقسام المجتمع البشري تشبه تماماً أعضاء بدن الإنسان أو شجيرة أزهار صغيرة وشجرة كبيرة . فصنع النظام الأحسن يفرض وجود التفاوت في استعدادات وأذواق أفراد المجتمع وبنائهم الروحاني والجسماني ، ليتناسب كُلُّ واحدٍ منهم مع الواجب الذي يُلقيه نظام الخلق على عاتقه ويتمكّن منه ، وإلّا لتبعثر كُلّ شيء ، ولما كان هنالك نظامٌ أحسن ، ولصار الوجود كالشجرة التي جميعها جذور أو سيقان أو أوراق فقط ، ومن قبيل هذه الشجرة لا تستطيع أن تواصل الحياة لأكثر من فترة قصيرة ، وإن كانت قادرة فلا فائدة منها . فلا يُمكن أن يتساوى تركيب وجود الأم ، التي يجب أن تكون كتلة من العواطف لتقوى على تحمل كل مشقّات حفظ وتربية الأولاد ، مع تركيب وجود الأب ، الذي يجب أن يُمارس عمله دائماً في قلب المجتمع ، لأنّ العكس معناه إمّا تلاشي دور الأمومة أو تعطيل دور الأبّوة .
نفحات القرآن — صفحة 351 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي