تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
والقول بأنّ المقصود من ( سُخريّاً ) هو ( الاستهزاء ) احتمالٌ ضعيفٌ جدّاً طُرح في بعض التفاسير بعنوان رأي غير مقبول . ونُلاحظ في موضعٍ آخر : « وَرَفَعَ بَعضَكُم فَوقَ بَعضٍ دَرَجاتٍ لِّيَبلُوَكُم فِى مَا آتَاكُمْ » . ( الأنعام / 165 ) ونظراً إلى عدم كون هدف الامتحان الإلهي معرفة حقيقة الأشخاص واكتشاف الأمور الخفيّة ، لأنّ اللَّه محيط بكل شيءٍ علماً ، بل المقصود منه تربية البشر في البلاء والامتحان ليخلُصوا ويقوى تحملهم ، وبتعبيرٍ آخر : إنّه وسيلة لتكاملهم ، لذا فالآية تقول : إنَّ هذا سبب التكامل ( المادي والمعنوي ) . وهناك نموذجٌ آخر : هو ما جاء في الآيات التي تُشير إلى تفاوت واختلاف نصيب الناس من الأرزاق ، فغالباً ما يَسأل بعض الأفراد : لِمَ هذا غنيٌّ وذاك فقير ؟ والقرآن يُجيب عن هذا السؤال بصورة إجمالية من خلال الآيات المختلفة ويقول : إنّ تقسيم الرزق بين العباد يجري وفق حسابٍ دقيق وبرنامج منظّم مفعم بالأسرار ، ولو أنّ الناس لا يعلمونه ، كما ورد في سورة الإسراء : « إِنَّ رَبَّكَ يَبسُطُ الرِّزقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقدِرُ إِنَّه كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً » . ( الاسراء / 30 ) طبعاً يجب عدم خلط التفاوت الإلهي الواقعي والطبيعي مع التفاوت الوضعي الناشئ عن الاستثمار والاستعمار ، واحتسابها جميعاً على إرادة اللَّه ، فالمسألة تتخذ طابعاً آخر في هذه الحالة وتخرج بشكل تفسيرٍ انحرافي وتؤدّي إلى التخلُّف الأقتصادي والاجتماعي ، والقرآن مخالف جدّاً للنوع الثاني ، بل ويُحاربه أيضاً . ويُلاحظ في الروايات الإسلامية وجود إشارت غنيّة بشأن هذا المطلب ، كقول علي عليه السلام : « لا يزال الناس بخير ما تفاوتوا فإذا استووا هلكوا » « 1 » .
هامش
( 1 ) منتهى الأمال ، ج 2 ، ص 229 .