المخلوقة من أجله لفقدت قدراتها ، لذا فلو لم ينتبه أحدٌ إلى مثل هذه الحالة لكان قد ظلم نفسه بنفسه ، لا مظلوماً من قبل اللَّه تعالى .
وقد أيدّ الكثير من المفسّرين هذا التفسير ، ولكن العجب من ترك البعض الآخر منهم ( كالفخر الرازي ) هذا المطلب الواضح وانصياعهم لعصبيّتهم المذهبية في مسألة العدالة ، فقالوا : ( لأنّ كل ما في الوجود ملكٌ له ، فكل ما يعمله ليس بظلمٍ ) .
في حين أنّ الآية تشير بدقّة إلى خلاف هذا المطلب ، فظاهر الآية يُفهم منه انتفاء تصوُّر الظلم بشأنه جلّ وعلا ، بل إنّه لن يظلم أحداً في نفس الوقت الذي يقدر فيه على ذلك .
ومن قبيل هذا التعبير كثير ، فلو قيل : إِنّ الطبيب الفلاني ، لم يُعالج المريض الفلاني فإنّه يعني ، أَنّه كان قادراً على علاجه ، لكنّه لم يفعل ، فلا يُقال أبداً : إِنّ الأُميّ الفلاني لم يُعالج فلاناً من الناس .
أمّا الآية الثانية فقد أشارت إلى هذا المعنى بتعبيرٍ آخر ، حيث قالت : « وَلَا يَظْلِمُ رَبِّكَ أَحَداً » ويُمكن أن يكون ذكر تعبير ( رب ) إشارة إلى رعايته تعالى للإنسان بالتربية والتكامل ، لا الظلم والجور الذي يؤدّي إلى النقصان والتخلُّف ( الذي هو خلاف أصول الربوبيّة ) .
وقد ذكرت هذه الجملة بعد بيان حال المجرمين في القيامة ، عندما يرون كُتبهم فيقولون :
« يَاوَيْلَتَنَا مَال هَذَا الكِتَابِ لَايُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً » . ( الكهف / 41 )
لذا فإنّهم هم الذين ظلموا أنفسهم لا اللَّه سبحانه وتعالى ، وتتضح مسألة انتفاء الظلم عن اللَّه سبحانه وتعالى نهائياً من خلال تصريحِهِ تعالى في القرآن بتجسُّم أعمالهم هناك ( أي يوم القيامة ) .
نفحات القرآن — صفحة 312
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣١٢