تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
وتعالى ، منْ جُملتها : إنزال البلاء على العدو لا على الصديق والعقوبات الاستدراجيّة أي الإنعام مقابل الأعمال السيئة ( ليحسب ) الشخص المسئ أنّه يُحسن صنعاً ، ثمَّ يعاقبه بعدها ، والثالث : مجازاة العباد على أعمالهم « 1 » . وعلى أيّة حال فإنّ المكر الصحيح هو ما يصدر عن العالِم بعواقب الأمور وحقائق الأشياء الماضية والمستقبلية ، إضافةً إلى قدرته المطلقة على القيام بتدبيره ، ولكون هاتين الصفتين ( العلم والقدرة اللامحدودتين ) منحصرتين بذات الباري جلّ وعلا فهو « خير الماكرين » . والظريف هو أنّ وصف الباري بصفة « خَيرُ المَاكِرِينَ » قد ورد فقط في موضعين من القرآن الكريم ، أحدهما في قصّة الهجرة التي تُعدّ من أهم مراحل حياة الرسول الأكرم محمّد صلى الله عليه وآله في قوله تعالى : « وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثبِتُوكَ أَو يَقتُلُوكَ أَو يُخرِجُوكَ وَيَمكُرُونَ وَيَمكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ المَاكِرِينَ » . ( الأنفال / 30 ) وكما نعلم فإنّ مؤامرة قريش على قتل الرسول صلى الله عليه وآله زادت من عزيمته وقوّت من إرادته على الهجرة ، الهجرة التي صارت سبباً في حدوث أكبر التحوّلات في تاريخ الإسلام وانتشار الحكومة الإسلامية في أنحاء العالَمِ ، وهنا يتّضح غلبة المكر الإلهي . والآخر في المؤامرات المشتركة التي حاكها اليهود والنصارى في محاربة الإسلام والرسول الأكرم صلى الله عليه وآله - الآية 54 من سورة آل عمران - والتي كانت من أخطر المؤامرات ، لكن اللَّه سبحانه قد أبطلها جميعاً . وأخيراً فقد وُصِفَ الباري تعالى في الآية العاشرة والأخيرة بصفة : « خَيرُ الْوَارِثِينَ » . وهذه الصفة وردت مرّة واحدة فقط في القرآن الكريم عن قول زكريّا عليه السلام ، في حين يُلاحَظ تكرار وصف الباري بصفة « وارث » . والسّر من وراء وصف الباري بهذه الصفة واضح تماماً لأنّه الوحيد الذي يبقى ويدوم ويرث العالمين ، وأمّا سواه من الوارثين فسيكونون موروثين يوماً ما .
هامش
( 1 ) تاج العروس في شرح القاموس ، مادّة ( مكر ) .