تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨

جمع الآيات وتفسيرها

كلمة ( قاهر ) و ( قهّار ) من مادّة ( قهر ) ، وهي بالأصل - كما جاء في ( مقاييس اللغة ) - تأتي بمعنى الغلبة والتفوُّق ، لذا يُطلق على الصخور القويّة ( قهقر ) ، وقال الراغب في مفرداته : إنّ ( القهر ) معناه النصر المصحوب بإذلال الطرف المقابل ، لذلك تستخدم في كلا المعنيَيْن ، وقال الخليل بن أحمد في كتاب العين : ( القهر ) معناه الغلبة والتسلُّط على أحد أو شيء معيَّنْ ، وجاء بهذا المعنى في « لسان العرب » و « تاج العروس » . وعندما تُستعمل كلمة ( قاهر ) و ( قهّار ) بخصوص اللَّه سبحانه وتعالى فإنّها تأتي بمعنى التغلُّب على جميع الجبابرة ، والتسلُّط على جميع المخلوقات ، وعجزها جميعاً إزاء إرادته وأمره عزّ وجلّ ، بحيث لا يستطيع أي موجودٍ أن يحول دون مشيئته وإرادته ، ولكن لكون ( قهّار ) من صيغ المبالغة فإنّها تعطي نفس هذا المفهوم وتبيّنه بتوكيدٍ أكثر . والبلاغ الذي تحمله هاتان الصفتان الإلهيتان في طيّاتهما للمؤمنين ، هو أنّهما تحذّران المؤمنين من غرور النفس والظلم والشعور بالتسلُّط والغلبة ، لأنّ غرور السلطة كان مصدر الكثير من التعاسة وحالات الفشل على مدى التاريخ ، بل يجب عليهم أن يعتبروا أنفسهم خاضعين لإرادة اللَّه ، ويعتقدوا بأنّ ليس لقدرتهم أدنى تأثير على الإرادة الإلهيّة ، ولا ريب من أنّ الانتباه إلى قاهرية وقهّارية اللَّه يمكنها أن تصدّ الإنسان عن التهوّر عند الغلبة . أمّا كلمة ( غالب ) فهي من مادّة ( غلبة ) وتأتي بنفس معنى القهر ، وتدل على القوة والشدّة والغلبة ، لهذا يُطلق على الأفراد المتمرّدين ( أغلب ) ، و ( مغلّب ) وتعني المنتصر على عدوّه « 1 » . ولكون مفهوم ( غالب ) يشبه مفهوم ( قاهر ) ، فإنّ هذه الصفة الإلهيّة تعطي نفس البلاغ السابق أيضاً للعباد وأهل المعرفة والسلوك . والظريف بالأمر هو أنّ الأديان المذكورة عندما تتحدث عن قاهرية وغلبة اللَّه على جميع الأشياء تختم بالعبارة التالية : « وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَايَعلَمُونَ » . أجل لأنهم لا يعلمون بأنّ زمام عالم الوجود بيد اللَّه تعالى ! !
هامش
( 1 ) مقاييس اللغة ؛ ومفردات الراغب ؛ ولسان العرب .