تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
وفي حديثٍ آخر : « إنّه تعالى يُحاسب الخلائق كلّهم في مقدار لمح البصر » « 1 » . وورد في حديث آخر : « إنّه سُبحانه يُحاسب جميع عباده على مقدار حلب شاة » « 2 » . وقد أورد المفسرون الآخرون أيضاً نفس هذه التعابير تقريباً ولكن الحق أنّ أي واحدٍ منها لا يمكنه تبيان عمق الكلمات المذكورة ، والحقيقة يجب القول : إنَّ اللَّه لا يحتاج إلى حساب لأنّ جميع أعمال العباد ماثلة بين يديه في آنٍ واحد . والظريف هو ما توصّلت إليه العقول الألكترونية المصنوعة التي تستطيع القيام بمئات الملايين أو الملياردات من الحسابات الرياضيّة في ثانية واحدة أو عدّة ثوان ، ممّا يدل على عمق ما توصلت إليه سرعة الحساب في عصرنا الحالي ! ففي الوقت الذي يستطيع البشر - بكل ضعفه ونقائصه - التوصُّل إلى هذه السرعة الحسابية ، فلا توجد حاجة إذن إلى توضيح ( إثبات ) سرعة حساب القادر العلي الذي قدرته غير محدودة وعلمه غير متناهٍ . وكما أشرنا في التفسير الأمثل أيضاً ، أنّ آثار أعمال الإنسان ستبقى وتتضاعف وتصير بذاتها خير وسيلة للحساب ، وهي على وجه التشبيه كالمعامل التي تحتوي مكائنها على عدّادات لإحصاء عدد دورات الماكنة أو كالسيّارات التي يتصاعد العدد الذي يعدّه عدّاد المسافة الموجود فيها كلما قطعت مسافة أكبر ، فلا توجد حاجة إلى الحساب لمعرفة معدّل عمل مكائن ذلك المعمل أو المسافة التي قطعتها هذه السيّارة ، فكل شيءٍ واضح ومُهَيأ . لهذا يجب أنْ ندرك إن علمَ اللَّه اللامحدود وأنّ ديمومة حضور الباري في كل مكانٍ من عالم الوجود من جهة ، وبقاء آثار الأعمال وتراكمها من جهةٍ أخرى سيؤدّي إلى تسريع حساب الخلائق كلّها كلمح البصر . إنَّ التعليمات التي تحملها هذه الصفات الإلهيّة ( حسيب ، سريع الحساب ، أسرع الحاسبين ) هو أنّها تحذّر جميع الناس من تناسي أبسط الذنوب وأصغرها ، وتجعلهم على
هامش
( 1 ) تفسير مجمع البيان ، ج 2 ، ص 298 ، ذيل الآية 202 من سورة البقرة . ( 2 ) تفسير مجمع البيان ، ج 3 ، ص 313 وروح المعاني ، ج 7 ، ص 154 .