تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
التركيب ، والأخير يحتاج إلى الأجزاء بدوره ، ( وهذا محال ) . والآخر هو قول القرآن عن إبراهيم عليه السلام : « لَآأُحِبُّ الآفِلِينَ » . ( الأنعام / 76 ) يُشير إلى حضوره تعالى في كل مكان ، فلو كان جالساً على عرشه للزم أن يكون غائباً ومختفياً دائماً ، وهذا عين الأفول ! ومن جهةٍ أخرى يشير القرآن الكريم في الآية 17 من سورة الحاقّة إلى حملة العرش من الملائكة ، وبناءً على معتَقد جماعة ( المشبّهة ) يستلزم أن يكون اللَّه بحاجة إلى ملائكة العرش ليحفظوه ! فيحين أنّ اللَّه على كل شيءٍ حفيظ . علاوةً على كون جميع آيات التوحيد ونفي التشبيه من المحكمات ، ونحن نعلم بأنّ ما يلزم التوحيد ونفي الكفؤ عنه تعالى هو نفي الجزئية عنه بكل ألوانها ، وهذا لا يتناسب مع استقراره في مكان معين . . . . ( ودلائل أخرى ) « 1 » . ومن جملة الآيات التي استعان بها هؤلاء الجماعة ، هي الآية 22 من سورة الفجر ، فبعد أن شرح سبحانه حوادث نهاية الدنيا وقيام القيامة قال : « وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا » . طبعاً ، كما قال أكثر المفسّرين : إنّ المقصود من الآية هو مجي الأمر الإلهي لمحاسبة الناس ، أو حلول آيات عظمته ، لأنّ هذه الآيات والدلائل عظيمة لدرجة بحيث وكأنّ مجيئها يُعبّر عن مجي الذات الإلهيّة المقدّسة وتجلو كل أنواع الريب والشك من القلوب « 2 » . من هنا فقد ورد بصريح العبارة في الآيات التي قرأناها سابقاً أنّ اللَّه موجود في كل مكان ، ولا يخلو مكانٌ من ذاته المقدّسة ، ولا يسعه مكان في نفس الوقت : « وَهُوَ مَعَكُم أَيْنَ مَا كُنْتُم » . مع هذا فكيف يُمكن أن ينتقل من محلٍ لآخر ، كما استنتج ( جماعة المشبهّة ) من ظاهر كلمة ( جاء ) منها : « وَهُوَ مَعَكُم أَيْنَ مَا كُنتُم » . ( الحديد / 4 ) ومنها : « وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِن حَبلِ الوَرِيدِ » . ( ق / 16 )
هامش
( 1 ) تفسير الكبير ، ج 22 ، ص 5 . ( 2 ) تفاسير ، مجمع البيان ، الميزان ، القرطبي ، روح الجنان وغيرها .
نفحات القرآن — صفحة 211 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي