الباري كان نيابةً عن قومه أيضاً .
الثاني : أنّ موسى عليه السلام كان يخشى من أنّ هذا المقدار من ( النيابة عن بني إسرائيل ) يُمكن أن يؤثر سلبياً على إيمانه وقدسية اعتقاده ، لذا فانّه أعلن توبته وإيمانه لتسمو قداسته قدر الإمكان .
وكذلك نجد أنّ الفخر الرازي غرق في دوّامة تعصُّبه أيضاً ، ولم ينكر دلالة الآية على استحالة رؤية اللَّه تعالى فحسب ، بل أصّر في قوله على أنّ جوانب عديدة من الآية تدل على إمكانية الرؤية ! ثمّ أدرج أموراً لا تستحق صرف الوقت لعرضها من جهة ، ولا هي أهلًا للإجابة عليها من جهةٍ أُخرى ؟ وقد لاحظتم نماذج منها في تفسيره للآية الماضية .
ويتضح تفسير الآية الثالثة من خلال تفسير الآية الثانية ، ولزيادة التوضيح نضيف : إنّ اللَّه سبحانه وتعالى عَّد طلب بني إسرائيل الذين قالوا لموسى عليه السلام : « أَرِنَا اللَّهُ جَهْرَةً » ذنباً عظيماً وظلماً فاحشاً ؟ وإنّه الذنب الذي أعقبه نزول العذاب الإلهي ، لذا قال اللَّه تعالى : « يَسأَلُكَ أَهْلُ الكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيهِم كِتَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَقَد سَأَلُوا مُوسَى أَكبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ » .
ماذا ارتكب اليهود من ظلم في هذا المجال ؟ إنّهم اعتبروا ربّهم العظيم بمستوى موجودٍ جسماني مادّي ، وطلبوا مشاهدته .
وبسبب اساءتهم الأدب في اعتبارهم هذا أخذتهم الصاعقة لتكون عقوبةً وعبرةً لهم في نفس الوقت ، وليعلموا أنّهم عندما لا يقدرون على مشاهدة هذا المخلوق الإلهي الصغير الذي لا يساوي أكثر من شرارةٍ في عالم الوجود العظيم ، فكيف يُريدون مشاهدة خالق الشمس والقمر والنجوم وعالم الوجود ! ؟
إنّ هذه المسألة يستطيع كل واحدٍ أن يتوصل إليها بدون أن يطالع ويُحقق في قرائن الآية .
نفحات القرآن — صفحة 173
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٧٣