تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
وقد استدل الفلاسفة وعلماء الكلام على كون اللَّه تعالى فاعلًا مختاراً بأنّ الفاعل على نوعين : إمّا ( مخيّر ) ، وإمّا ( مُسيَّر ) كتأثير الشمس في المنظومة الشمسيّة وموجوداتها . فلو قلنا : إنّ خالق العالم فاعل مسيّر ، لوجب التسليم بأحد الأمرين : إمّا بأنّ الوجود قديم ، وإمّا بأنّ الذات الإلهيّة حادثة ، لأنّ الفاعل المسيَّر لا ينفصل عن فعله أبداً . أمّا كون هذا العالم أزلي فغير ممكن ، لأننا عرفنا دلائل حدوث العالم في بحث وجود اللَّه سبحانه . والقول بحدوث الذات الإلهيّة المقدّسة يستلزم إنكار وجوده تعالى ، لأنّها لو كانت حادثة لاحتاجت إلى علّة ، إذن فهو ليس بواجب الوجود والحالة هذه . وبتعبير آخر لو كانت خالقية الباري كأشعة الشمس لاستلزم أن يكون هذا الكون قديماً وازلياً ، لأنّ إرسال الشمس لأشعتها لا إراديّ وهو ملازم لوجودها دائماً وأبداً . لذا نستنتج بأنّ اللَّه تعالى فاعل مختار ، وأنّ ذاته المقدّسة أزلية وفعله حادث ، وكلما أراد شيئاً يتحقق بدون فاصلة زمنية . سؤال : من المعلوم أنّ كلمة الفاعل المختار تعني المريد ، ونعلم أنّ الإرادة كيفيّة نفسانية تَعرض على صاحبها ، وهذا المفهوم يتعارض مع حقيقة ذات الباري تعالى ، لأنّ ذاته لا تقع محلًا للحوادث ، فكيف نفسّر إرادة اللَّه تعالى ؟ الجواب : بالرجوع إلى ما ذكرناه في بحث الإرادة الإلهيّة ( في ذيل صفة علم اللَّه تعالى ) يتضح جواب هذا السؤال ، وهو عدم إمكانية تطبيق ومقايسة مفهوم الإرادة الذي نجده في أنفسنا مع مفهومها بالنسبة للذات الإلهيّة ، كما هو الحال في صفة العلم ، فالعلم الحصولي الموجود فينا والحادث بالنسبة لنا لا معنى له أبداً بخصوص الذات الإلهيّة المقدّسة . والإرادة الإلهيّة الذاتية - كما شرحنا ذلك سابقاً تتشعَّب من علمه سبحانه ، وهي عبارة عن ( علمه بالنظام التكويني الأحسن ) الذي هو علّة خلق الأشياء والأحداث الواقعة في الأزمنة المختلفة .