ويمكن أن تكون إشارة إلى أنواع حليب الانعام المختلفة ، التي لكلٍّ منها آثاره ومزاياه الخاصة به ، أو إشارة إلى مستخلصات الحليب التي نحصل عليها ، وبما أنَّ أصلها هو الحليب فقد اطلقَ عليها لفظ « مشارب » ، ونحن نعلمُ أنّ الحليب ومستخرجاته يُمثلُ جانباً مهماً من غذاء الناس « 1 » .
ولنا بحثٌ مناسب حول « ذَلَّلناها » سيأتي في قسم التوضيحات إن شاء اللَّه .
والآية التاسعة من البحث وقعت ضمن سلسلة الآيات التي تتعلق بمعرفة اللَّه والتوحيد لأنَّه قال في الآيات التي سبقتها : « ولَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمواتِ والأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزيزُ الْعَليمُ » ، ثمَّ تَطرَّقَ إلى وصفِ اللَّه القدير قائلًا : « والّذى نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً بِقَدرٍ فأَنْشَرنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخرَجُونَ » ، ثم يضيفُ في آية البحث : « والّذى خَلَقَ الازواجَ كُلَّها » .
ويبدو أنَّ المقصود من « أزواج » هنا هو أزواج الإناث والذكور من الحيوانات والاحياء ، لا سيما وانّه يضيف بعد ذلك : « وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الفُلكِ والأَنْعامِ مَا تَركَبُونَ » ( أي الفلك في البحار والانعام في اليابسة ) .
وبهذا فانَّ ذكر « أنعام » بعد « الأزواج » جاء من بابِ ذكر الخاص بعد العام .
إلَّا أنّ بعض المفسِّرين يعتقِدون أنَّ « الأزواج » هنا إشارة إلى « الأصناف المتفاوتة » للموجودات ، سواء كانت حيوانات أم نباتاتٍ أم جماداتٍ ، لأنَّ كلًا منها له جنسٌ يقابله ، ففي الحيوانات هنالك الذكر والأنثى ، وفي غيرها النور والظلام ، السماء والأرض ، والشمس والقمر ، اليابس والرطب ، وحتى داخل أفكار الإنسان هنالك الخير والشر ، الكفر والإيمان ، التقوى والفجور ، وأمثال ذلك ، والوجود الوحيد الذي لا اختلاف فيه هو ذاتهُ
هامش
( 1 ) يعتبر بعض المفسِّرين أنَّ « مشارب » إشارة إلى الأواني التي تُصنعُ من جلد الحيوانات كأنواع القِرَب والأواني الأخرى ، إلّاأنّ هذا التفسير يبدو بعيداً إذ ليس لهذا الأمر أهميّة بالغة بحيث يُستند إليه بعد ذكر المنافع .