تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
ويشير في الآية التاسعة إلى موضوعٍ آخر من عجائب عالم النباتات والأشجار ، فيقول بعد ذكر مسألة بسط الأرض وتكوّن الجبال : « وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَىءٍ مَوْزُونٍ » . بالرغم من أنَّ « موزون » من مادة « وزن » ، إلّاأنّها هنا إشارة إلى النظام الدقيق والمحدَّد ، والتقديرات المتلائمة والمتناسقة التي تحكم جميع ذرات النباتات ، إضافة إلى أنّ « وزن » كما أوردها الراغب في المفردات تعني في الأصل معرفة قَدرِ الشيء . وقال بعض المفسِّرين أيضاً إنَّ المُرادَ من هذا التعبير هو أنَّ اللَّه خلقَ من كلِّ نباتٍ بقَدْر حاجة الإنسان « 1 » . كما قالوا إنَّ المراد من « موزون » هو وجوب تظافر كميات محدّدة من الماء والهواء والتراب وضوء الشمس كي تنمو النباتات . واحتملَ بعض المفسرين أنّ التعبير ب « كلِّ شيء » يشتمل على المعادن أيضاً ، ولكن من خلال الفَهم بأنّ عبارة « أنبتنا » لا تتناسب كثيراً مع المعادن ، فانَّ هذا التفسير يبدو بعيداً ، وأنَّ الجمعَ بينَ التفسيرين ممكنٌ ، وورد في بعض الروايات إشارة إلى التفسير الثاني أيضاً « 2 » . ويردفها الإشارة إلى توفير الوسائل المعاشية والحياتية للناس ولحيواناتهم ولأولئك الذين يرتزقون على مائدة الخالق الواسعة فيقول : « وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِيْنَ » . « معايش » : جمع « معيشة » ولها معنىً واسعٌ جدّاً ، فتشمل كلَّ شيءٍ يعدّ من وسائل حياة الناس ، وجملةُ « ومَنْ لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِيْنَ » إشارة إلى الحيوانات والكائنات الحيّة التي ليس بمقدور الإنسان أن يُطعمها ، فوضع الباري تعالى الطعامَ المناسب لكلٍّ منها في اختيارها على أساس النظام الخاص الذي يسود العالم ، ولو فتحنا أعيننا وتأملنا طريقة تغذية أنواع الحيوانات من النباتات ، لوجدنا فيه عالَماً من أدلة معرفة اللَّه .
هامش
( 1 ) ذكرالفخر الرازي هذا في تفسيره كاحتمالٍ أولٍ ، والتفسير الثاني كثالت احتمال ، ( التفسير الكبير ، ج 19 ، ص 171 ) . ( 2 ) تفسير نور الثقلين ، ج 3 ، ص 6 ، أشار الإمام علي عليه السلام في هذه الرواية إلى المعادن المختلفة التي أوْجَدَها اللَّه فيالجبال وتباعُ وتَشترى بالوزن .