وفي الآية السادسة أيضاً حيث يأتي البحث عن سبع آياتٍ من آيات اللَّه ، فهو يذكر الفلك كآية ثالثة حيث تجري في البحر بما ينفع الناس : « وَالْفُلْكَ تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ » ، ويؤكد في ختام هذه الآية أنّ في هذه الأمور آياتٍ من الذات الإلهيّة المقدّسة وآياتٍ عن وحدانية اللَّه لقومٍ يعقلون : « لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » .
وفي الآية السابعة يستند إلى ربوبيته تعالى فيقول : « رَبُّكُمُ الَّذِى يُزجى لَكُمُ الْفُلْكَ في الْبَحْرِ » فلا تتبعوا الأوثان لأنّها ليست بربكم .
وهنا نواجه تعبيراً جديداً « يُزجي » وهو من مادة « إزجاء » التي تعني « تسيير الشيء بمداراةٍ وَرِقّة » بالنحو الذي ورد في « مصباح اللغة » ، ويُستفاد من « مقاييس اللغة » بأنّها تعني « التسيير الدائم والمستمر » ، وهاتان المسألتان في حركة السُفنِ على سطح المحيطات جديرتان بالاهتمام ، لا سيما في السفن الشراعية ، فالمعروف أنَّ الرياح تسوق السُفُنَ برفقٍ واستمرارٍ .
فلو كان للرياح هبوبٌ شديدٌ ، أوتكون متقطعةً فانّها تجعلُ السفن تواجه حركاتٍ واضطرابات قوية ، وقد تتوقف وتضيع في وسط البحر أيضاً ، إنَّ هذا التعبير يبينُ أسراراً جديدة عن هذه الآية الإلهيّة .
ولهذا يستفاد من مجموع الآيات السالفة أنّ لخلق البحار فوائد مختلفة حيث تعتبر كل منها آيةً من آياته تعالى ، لا سيما حركة السفن الدقيقة على سطح المحيطات .
وتُعرفُ النّعمةُ دائماً بعد فقدانها ، فلولا البحار لم يتكدَّس القسم الأعظم من السلع التجارية التي تُنقلُ عبر المياه فحسب ، بل تختفي كميات كبيرة من المواد الغذائية والحُلي أيضاً ، وأهم من ذلك ، تنعدم الغيوم ولا تهطل الأمطار ، ويجر الهواء الجاف والحار جميعَ الكائنات الحيّة إلى الفَناء .
نفحات القرآن — صفحة 225
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٢٥