تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
لغيره ، كما قال صلّى اللّه عليه وآله : « بهم ترزقون ، وبهم تمطرون ، وبهم يدفع اللّه البلاء » ، فهو الجامع لاسمي الصفات ونبل الكمالات ، وهذا ممّا لا شكّ فيه ، كما دلّت عليه البراهين العقليّة والنقليّة . ولكن هذه المناقب أو المنازل بل الرتب السامية ، لم تكن وليدة الطينة والطبيعة فقط ، بل لا بدّ لها من أسباب وشرائط تؤهّل العبد لنيل تلك المقامات والوصول إلى تلك المنازل والقمم ، وهي كما قال جلّ شأنه في كتابه الكريم :
إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
، وإنّما قدّم الصلاة على غيرها ، لأهمّيّتها ، وأنّ صلاة العارفين لا يوازيها شيء - وهي ليست كصلاة الغافلين - فإنّها الصلاة الدائمة بين الخالق والعبد ، وأنّها الرابطة القويّة بين الباري جلّ شأنه والمؤمن ، وبها تكشف الظلم ، وتزول الأستار ، وترفع الحجب . وهي لا تختصّ بطائفة دون أخرى ، فتعمّ الطبقات كلّها ، ولها درجات حسب معرفة العبد وإيمانه ، لأنّها المعراج إلى الحقّ ، فيستمر العروج ويدوم إلى أن تظهر الحقيقة في نشآتها ، ويتجلّى الحقّ كما تجلّى يوم الميثاق . ولها مراتب حسب أهلية العبد وانقطاعه إلى اللّه تعالى وبعده عن المادة والماديات ، وتقدّم في أحد مباحثنا السابقة أنّ السير إلى الكمال والترقي بالمنازل والرقي إلى المقام ، لها مراتب وحظوظ وأنواع ، ولكلّ منها أسباب وشرائط ، والصلاة جامعة لها . ولعلّ تركّبها من الطهور والركوع والسجود - كما ورد في بعض الروايات - إيماء إلى ذلك ، فبالطهارة ترتفع الخاصيّة التي توجب الحجاب عن مشاهدة الحقّ ، لأنّ بها تزال الأدناس الظاهريّة والمعنويّة ، كما بالقيام نحوه تعالى تزال الصفات الماديّة المتعلّقة بالنفس ، كالشهوات بأنواعها . وبالركوع تزال الأنانيّة والتكبّر ، وبه تسير النفس من أوّل خطوة إلى أرقاها ، فيخضع للّه عزّ وجلّ ولمن تجلّى فيه أسمائه وصفاته جلّت عظمته .